إعدام الحياة في غزة.. هدف الحرب

اثار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة
اثار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة

غزة غير صالحة للحياة او العيش لم تكن مجرد تقارير تصف الاوضاع الاقتصادية والحياتية للسكان تحت سياسات العقاب الجماعي، وحصار امتد على مدار 17 عاما وتعمق على وقع متوالية الحروب التي شهدها القطاع بل كانت استراتيجية ومخطط إسرائيلي وصل الى ذروته مع العدوان الاسرائيلي في السابع من أكتوبر، الذى لا تزال تتوالى حلقاته اليومية على الأرض من حرب الإبادة والتدمير الى الترانسفير لتصل الفكرة في نهاية المطاف الى مرحلة تصفية واعدام كل سبل الحياة في غزة التي خضعت لكل اشكال الانتهاك ووصلت الى حد التحكم في السعرات الحرارية للمواطنين بحسب وثائق إسرائيلية وحديقة خلفية تختبر فيها تل ابيب اسلحتها الفتاكة وكل برامج القتل الممنهجة كل كذلك كان يدفع نحو هذا الواقع الذى ظلت تتأرجح فيه غزة ما بين الموت والحياة.

قبل وبعد العدوان ... مؤشرات صارخة

قبل العدوان على غزة كانت الإشارات الصادرة عن الهيئات الأممية والدولية حول الواقع الإنساني والحياتي في غزة الذي يوغل في البؤس قاتمة الى حد الوصف الذي أطلقته قبل عشر سنوات بشأن مستقبل غزة انها لن تعود ملائمة للحياة.. اما بعد العدوان فكل ما يجري يهدف الى ضمان عدم القدرة على الحياة.

وما ان استعرت الحرب التي بدأتها دولة الاحتلال باستهداف مقومات وسبل الحياة من التجويع الى التعطيش كانت تدفع بالحرب الى ابعاد اخرى بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الذى اعطي مؤشرات واضحة لما يعيشه القطاع الذى دخل بأزمة حادة في الحصول على المياه، حيث أنه وفي ظل الظروف الطبيعية في فترة ما قبل السابع من أكتوبر، كان معدل استهلاك الفرد من المياه في القطاع يقدر بحوالي 82.7 لتر/فرد/يوم، ومع اندلاع العدوان، أشارت التقديرات إلى أن سكان القطاع يكاد يستطيعون الوصول الى ما بين 1 - 3 لتر/فرد/يوم فقط، كما خلفت الحرب آثاراً كارثية على شبكات المياه ومصادر إمدادات المياه بشكل عام، حيث أن حوالي 55% من البنية التحتية لإمدادات المياه بحاجة إلى إصلاح أو إعادة تأهيل في قطاع غزة.

لتر واحد من المياه هو ما يحصل عليه السكان في غزة شهادات نقلها عاملين في المجال الإنساني والاغاثي بغزة تكشف عن بشاعة الوجه الاخر للحرب الذي يتخطى في خطورة ما تحدثه الصواريخ بعد توقف نظام المياه عن العمل وانهياره بالكامل، وصل السكان في غزة إلى أقصى حدود قدرتهم على التحمل ويكافحون اليوم للبقاء على قيد الحياة، على أغلب تقدير، في جنوب غزة، توزع فرقنا بين 50 و60 مترًا مكعبًا من المياه يوميًا، لكن هذه الكمية ليست إلا غيضًا من فيض الاحتياجات على الأرض.

مشهد الدمار والقصف وتدمير الإنشاءات والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والخدماتية تفوق عليه مشهد الدم ولم يلحظ الكثيرين مرامي السياسية الإسرائيلية التي انشغل الكثيرين في تفسير ابعاد وحجم الموت وعداد الضحايا فيما كانت تل ابيب تمهد للسيناريو الاخطر بعدما تحطمت جميع الأسس التي قامت عليها الحياة الطبيعية في المنطقة – المدارس والمكتبات والمخابز وغيرها من المرافق والمصانع، فيما يخلص الكثيرون إلى أن هدف إسرائيل النهائي هو جعل القطاع غير صالح للسكن وإجبارهم على التخلي عن الأرض التي يسمونها وطنهم.

في تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" أنه بين عامي 2006 و2022، انكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في غزة بنسبة 27 بالمئة ليصل إلى 1257 دولارا سنويا، وفقا للأونكتاد، هيئة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وعندما عندما اندلعت الحرب الأخيرة، كان أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعتمدون على المساعدات الدولية وكانت نسبة البطالة تبلغ نحو 44 بالمئة. فيما تضررت أو دمرت أكثر من 60 بالمئة من الوحدات السكنية في القطاع،

في الاطار ذاته أفاد الكاتب المتخصص في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، أشرف ابو الهول، أنه في حالة استمرار الحرب، فإن السيناريو المتوقع اقتصاديا هو سيناريو الخراب والفشل الكاملين؛ فغزة تعتمد الآن على المساعدات القادمة من الخارج فيما بلغت تكلفة البنية التحتية لإعادة إعمار غزة لا تقل عن 15 أو 20 مليار دولار، لا سيما أنه تم تدمير ما لا يقل من 90 بالمئة من شوارع غزة، وتدمير منشآتها وصناعاتها، وبالتالي التكلفة تكون هائلة لبناء بلد من جديد تقريباً، فكلما طال أمد الحرب كلما زادت الخسائر وتراجعت فرص إصلاح البنية التحتية.

أهداف غير معلنة للحرب

غزة كسطح القمر غير قابلة للحياة هذا التشبيه الذى اطلقته صحيفة بوليتيكيو في وصف الحرب على غزة هو يسبق هذا الحدث بأزمنة او مهد له بعدما أطبقت إسرائيل على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للسكان وجلعت حياة اكثر من 2 مليون انسان على المحك واستكملت مشروعها بالابادة .

فكرة تحويل غزة الى مكان تستحيل فيه الحياة كان هو الهدف غير المعلن لهذه الحرب كما أكد المفكر الفلسطيني عزمي بشارة والذى عبر عنه "صغار" المسؤولين الإسرائيليين بصورة مستمرة، معتبرا أن استهداف الأماكن المأهولة والدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، ليس أضرارًا جانبية وإنما هدفًا رئيسيًا لأن ما تريده "إسرائيل"، هو معاقبة الشعب الفلسطيني و"شفاء غليل" المجتمع الإسرائيلي، واستعادة هيبة الردع، إضافةً إلى جعل غزة غير قابلة للحياة. ما قد يسبب، وفقًا للمخطط الإسرائيلي، هجرة تدريجية على المدى الطويل بسبب يأس الناس من إمكانية إصلاح ما دمّرته الحرب.

تحويل إسرائيل البني التحتية والأنشطة الحياتية للسكان في غزة الى اهداف خلال هذه الحرب كان مؤشر واضحا الى مرامي هذه السياسة بحسب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الذى قال عبر منصة «إكس»، إن إسرائيل تستهدف تدمير إمكانية الحياة في قطاع غزة لوقت طويل، لا القضاء على حركة بعينها، كما تزعم إن هدف إسرائيل يتمثل في «القضاء على مجتمع بأكمله وتمزيق نسيجه، وتدمير إمكانية الحياة في قطاع غزة لوقتٍ طويل مقبل... تلك هي أهداف الحرب التي لم تعد خافية».

بدوره قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا حسن أن الجيش الإسرائيلي يسعى لجعل غزة غير قابلة للحياة، بحيث لا يستطيع أحد أن يعيش فيه بعد العدوان الإسرائيلي على القطاع، مضيفا أن الاحتلال يدمر البنية الأساسية مثل محطات المياه ومحطات الصرف الصحى ومحطات لكهرباء والمستشفيات وبعض محطات تحلية المياه على البحر بوسائل بسيطة بعد تدمير أكثر من 60% من غزة حيث يدعى الاحتلال أن خروج السكان سيكون طوعيا.

ورغم مرور أعوام على التاريخ الذى تنبأت به الأمم المتحدة في تقرير لها عام 2015 بان غزة ستكون غير صالحة للحياة بحلول عام 2022 قالت مراسلة صحيفة “إندبندنت” بيل ترو خلال زيارتها للقطاع أن غزة أصبحت غير صالحة للعيش منذ زمن، فغزة ليست قنبلة موقوتة إنما هي انفجار يتحرك ببطء، وتحول اسم غزة مترادفا مع البؤس الذي تسبب به الحصار لكن يجب ألّا تُفسّر مقاومة الغزاويين المذهلة في ظل هذه الظروف على أنّها دليل أنّ المكان صالح للحياة.

اعتبرت الباحثة سارة روي أن الاحتلال يعكس سياسةً من "الإفقار التنموي"، التي حدّدتها بأنها منع أو تقويض التنمية الاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية، وإعادة هيكلة اقتصاد غزة ليكون ملحَقًا بدولة إسرائيل.

مخطط سياسي بأدوات عسكرية

لم تكن سياسة الحرب المتواصلة على قطاع غزة على مدار اربع حملات عسكرية بحسب تقارير إعلامية غربية مجرد تحركات عسكرية لجلب الامن واضعاف فصائل المقاومة كما عرفتها دولة الاحتلال بـ"جزّ العشب"، وان بدت ظاهريا على هذا النحو لكنها كانت استراتيجية تهدف الى إلحاق الضرر واحداث دمارًا كارثيًا كل مرة بمراكز سكانية كبيرة وأسفرت عن مقتل آلاف الفلسطينيين، وبحلول العام 2023، لم يرَ نصف سكان غزة من الحياة شيئًا سوى الحصار والقصف، من دون أي نهاية في الأفق.

هذه الخطط في إحالة غزة الى مكان غير قابل للعيش بدت تتضح مع هذه الحرب حيث كلف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مستشاره الكبير، رون ديرمر ، وزير الشؤون الاستراتيجية، بتصميم خطط "لتقليل" عدد السكان الفلسطينيين في قطاع غزة "إلى الحد الأدنى"، وفقا لتقرير جديد كشفت عنه صحيفة "يسرائيل هيوم" والتى وأفادت أن الخطة تتكون من عنصرين رئيسيين: الأول سيستخدم ضغوط الحرب والأزمة الإنسانية لإقناع مصر بالسماح للاجئين بالتدفق إلى دول عربية أخرى، والثاني سيفتح طرقًا بحرية حتى "تسمح إسرائيل بتدفق جماعي للاجئين". الهروب إلى الدول الأوروبية والأفريقية”.

مخاطر هذه السياسية تنبهت لها الأوساط الرسمية الفلسطينية قبل هذه الحرب وخلالها حيث طالبت وزارة الخارجية والمغتربين المجتمع الدولي خاصة مجلس الأمن الإنتباه للمخطط الاستعماري التوسعي العنصري الذي تنفذه إسرائيل خلف ستار غبار ودخان الحرب، و يهدف لخلق بيئة غير قابلة للحياة في غزة واتخاذ ما يلزم من قرارات في مجلس الأمن الدولي لوقف الحرب فوراً ووقف تنفيذ هذا المخطط الإسرائيلي المعد مسبقاً.

يقول المحامي الفلسطيني رجا شحادة، إلى استراتيجيات استخدمتها إسرائيل لإخراج الفلسطينيين من غزة، حينذاك، مثل "تضييق سبل الحياة عليهم" و"الحكم بقبضة حديدية"، و"تشجيع هجرتهم إلى الأردن أو دول أمريكا اللاتينية وكندا وأستراليا"، موضحاً أن إسرائيل اعتمدت هذه الاستراتيجية، التي أشرف عليها شخصيا رئيس الوزراء حينذاك، ليفي إشكول، على عدة عوامل أبرزها "الحوافز المالية". لكن مع الحرب الحالية على غزة "يبدو أن إسرائيل تغتنم الفرصة لتنفيذ ما لم يكن ممكنا في كل السنوات السابقة".

ابعاد الخطة الإسرائيلية لم يكن وليد اليوم بل ظل تاريخيا في ادارج ساسة تل ابيب ومارسته منذ عام 1948 كما كشفت وثائق بريطانية افرج عنها ان وزير النقل والاتصالات الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريس ( زعيم حزب العمل ووزير الدفاع والخارجية ورئيس الحكومة ورئيس الدولة في إسرائيل لاحقا) ابلغ المستشار السياسي للسفارة البريطانية في تل أبيب بأنه "حان الوقت لإسرائيل كي تفعل أكثر في قطاع غزة حيث سيتم سيتم إعادة توطين حوالى ثلث سكان المخيمات في أماكن أخرى في القطاع أو خارجه". وأكد اعتقاد إسرائيل بأن "هناك حاجة ربما إلى خفض إجمالي عدد السكان بحوالى 100 ألف شخص".

المصدر : خاض زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo