ترددتُ كثيراً قبل كتابة هذه الرسالة، لحساسية الموقف ودقته، ولأن الكلمات في زمن الجراح قد تُساء قراءتها أو توظيفها. لكنني، بعد تفكير عميق بمصلحة شعبنا، وبعد أن غلّبت صوت الضمير على تردد اللحظة، قررت أن أكتب. فالصمت حين يشتد الخطر لا يكون دائماً حكمة، وأحياناً يصبح الكلام مسؤولية.
في خضمّ الغبار الذي تخلّفه الحروب، تضيع أحياناً الحقيقة الأبسط: أن الإنسان هو الغاية الأولى لأي نضال، وهو معيار نجاحه أو فشله. اليوم، في لحظة فارقة من تاريخ غزة، لم يعد السؤال: من ربح الجولة؟ بل أصبح السؤال الأشدّ إلحاحاً: كيف نبقى؟
غزة لم تعد مجرد ساحة مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى ملف مفتوح على طاولة الحسابات الدولية. تُعقد اجتماعات باسم “السلام”، وتُرسم تصورات لمستقبل المنطقة، بينما الفلسطيني في القطاع يواجه الجوع والخوف والخراب. القوى الفاعلة تتحرك وفق مصالحها، والأصوات المتعاطفة تخفت تدريجياً. وفي هذا المناخ، يصبح الغياب عن التأثير خسارة مضافة إلى الخسارة الميدانية.
لم تعد المشكلة في توصيف ما جرى، فالتوصيف لا ينقذ طفلاً ولا يعيد بيتاً مهدّماً. المعضلة الحقيقية تكمن في رسم طريق الخروج. والمدخل الواقعي المطروح اليوم، مهما كانت مرارته، يتعلق بمصير السلاح. الخياران واضحان: إخلاؤه ضمن ترتيبات سياسية تقي الناس مزيداً من الدمار، أو تركه يُنتزع في سياق حرب استنزاف طويلة. الفارق بين المسارين هو الفارق بين قرار يُتخذ بوعي، وقرار يُفرض تحت الضغط.
الناس في غزة ما زالوا يتنفسون، رغم الألم والجوع والفقد. وهذه الحقيقة وحدها تستحق أن تكون بوصلة القرار. البقاء على الأرض لم يعد يُصان بالشعارات، بل بحسابات دقيقة تُقدَّم فيها حياة البشر على أي اعتبار آخر. الرهان ليس على تسجيل نقاط خطابية، بل على منع انهيار اجتماعي وأمني قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية لا تقل خطورة عن العدوان نفسه.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية عاجلة، تجمع أطراف الطيف السياسي للبحث عن مخرج بأقل الخسائر. حتى لو لم تنتج هذه المبادرة حلولاً مثالية، فإنها قد توفر غطاءً سياسياً ضرورياً لقرارات صعبة، وتحول دون انزلاق المجتمع إلى صراعات داخلية أو فراغ أمني تتسلل إليه قوى هامشية. فالفراغ، إن لم يُملأ برؤية مسؤولة، يملؤه التفكك.
ثمة اعتقاد بأن ما تبقّى من السلاح قادر على فرض معادلة جديدة. لكن الواقع يشير إلى أن كلفة المواجهة باتت أعلى من قدرتها على إنتاج مكاسب سياسية ملموسة. وفي المقابل، فإن إبراز البعد الإنساني للمأساة، ورفع مستوى المظلومية إلى أقصى حد في وعي العالم، قد يكون أكثر فاعلية في حماية ما تبقّى من الناس والأرض. فالمعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل أخلاقية وسياسية أيضاً.
الحقيقة المؤلمة أن أحداً لا يشاركنا كل تفاصيل محنتنا. قد تتقاطع مصالح الآخرين مع بعض جوانب قضيتنا، لكن في تفاصيل الألم اليومي، نحن وحدنا. وهذا الإدراك لا يعني الاستسلام، بل يعني تحمّل مسؤولية القرار بعيداً عن أوهام التحولات الخارجية.
التحدي المطروح وجودي بامتياز. بقاء الناس هو الضامن لبقاء القضية، لا العكس. حين يبقى الإنسان على أرضه، تبقى الذاكرة والحق والمطالبة به. أما إذا انهار الوجود الإنساني، فإن الشعارات تفقد معناها.
المسؤولية في هذه اللحظة تاريخية. المطلوب ليس فقط شجاعة المواجهة، بل شجاعة المراجعة واتخاذ القرار الصعب قبل أن يفرضه الواقع. فإما أن يُصنع المخرج بإرادة واعية تحفظ ما يمكن حفظه، أو يُترك الزمن ليستكمل فصول الكارثة.
البقاء اليوم ليس خياراً مريحاً، لكنه الخيار الوحيد
