اللجنة التي لا تغضب: حين تتحول الإدارة إلى صمت مُنظَّم

اللجنة التي لا تغضب: حين تتحول الإدارة إلى صمت مُنظَّم
اللجنة التي لا تغضب: حين تتحول الإدارة إلى صمت مُنظَّم

في اللحظات التي تحاول فيها المدن الخروج من تحت الركام، لا تُقاس قيمة اللجان بما تعلنه، بل بما تفعله. ومع ذلك، تظهر أحيانًا كيانات انتقالية تبدو في ظاهرها أدوات لإعادة البناء، لكنها في جوهرها تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الفعل. اللجنة الوطنية لإدارة غزة، كما تتبدّى حتى الآن، تقف في هذا الموقع الملتبس: موجودة رسميًا، غائبة ميدانيًا، حاضرة في البيانات، غائبة في القرار.

ليست هذه المعضلة جديدة في تاريخ المنطقة. فالتجربة الفلسطينية عرفت عبر قرن كامل لجانًا وُلدت في ظل أزمات كبرى، مثل لجنة العرب العليا بعد ثورة 1936 التي واجهت تقرير لجنة بيل البريطانية (Peel Commission) ، ورُوّج لها بوصفها مخارج سياسية أو إدارية. لكنها، في أغلب الحالات، اصطدمت بسقف القوة الاستعمارية التي سمحت بها أو قمعَتْها، كما يوثق رشيد خليدي في الحرب المائة عام على فلسطين (The Hundred Years' War on Palestine, 2020) عن الفشل الهيكلي لتلك الكيانات. لم يكن العجز عرضًا طارئًا، بل نتيجة بنيوية يمكن توصيفها بما يُعرف في الأدبيات بـ Institutional Constraint أو Externally Imposed Governance: حين تُنشأ اللجنة داخل منظومة لا تملك فيها السيادة، تصبح أقرب إلى جهاز تفسير للأزمة منها إلى أداة لحلها. و تجسيد لما يمكن تسميته بـ "السيادة المتخيل  .(Imagined Sovereignty)

ما يلفت في الحالة الراهنة ليس فقط انعدام الإنجاز، بل غياب أي سلوك ضاغط (Pressure Politics) من داخل اللجنة نفسها. فلا بيانات احتجاج حقيقية، ولا تهديد بالاستقالة (Exit Threat) ، ولا حتى لغة إنذار تعبّر عن انسداد الأفق، هذا الصمت ليس تفصيلاً ثانويًا، بل هو المؤشر الأوضح على طبيعة الدور: لجنة لا تغضب، لأنها لا تملك شروط الغضب؛ أو لأنها اختارت أن تبقى ضمن هامش يُبقيها موجودة، ولو بلا أثر.

قراءة من منظور Public Choice Theory

في هذا الإطار ، لا تُفهم هذه الظاهرة بوصفها فشلًا تقنيًا، بل كنتيجة منطقية لتضارب الحوافز .(Incentive Misalignment) الأطراف الراعية لا تسعى بالضرورة إلى “حل كامل”، بل إلى ادارة ازمة Crisis Management وتقليل الكلفة السياسية. وجود لجنة انتقالية يحقق عدة وظائف: يقدّم صورة عن وجود خطة  (Policy Signaling)، يخفف الضغط الدولي، ويؤجل لحظة الحسم (Strategic Delay). فهي تعمل كواجهة إنسانية ترفع عن كاهل القوى المعطلة عبء المسؤولية القانونية والأخلاقية، وتعمل كـ "ممتص صدمات"  (Shock Absorber) يحمي الأطراف الدولية من المخاطر الاخلاقية (Moral Hazard)  او يخفف غضب الشارع. أما اللجنة نفسها، فتجد حافزًا قويًا للبقاء داخل هذا التوازن الهش: الوجود بلا صدام، الاستمرار بلا إنجاز.

بعد استعماري: Delegated Responsibility without Authority

من زاوية Colonial and Post-Colonial Institutions، تبدو المشكلة أعمق. فالمؤسسة التي لا تملك السيطرة على الحدود، أو الموارد، أو الأمن، تُكلَّف عمليًا بإدارة نتائج سياسات لا تتحكم بها، وهو ما يمكن وصفه بـ Delegated Responsibility without Authority  هي تُسأل عن الإدارة والإغاثة وإعادة الإعمار وتُستخدم لغة "خشبية" تقنية دون أن تملك مفاتيح الدخول، وتُحاسَب على الإدارة دون أن تحتكر أدواتها. يعكس ذلك نموذج Acemoglu و Robinson في Why Nations Fail (2012): في غزة، لا تسيطر اللجنة على أي جزء من الحدود أو الموارد، ولم تدخل القطاع بعد ولا تستطيع، مقارنة بهيئات انتقالية ناجحة مثل جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري، مما يجعل “الإصلاح” مهمة شبه مستحيلة.

سياسة البندول: Pendulum Politics

ثمة بعد ثالث يمكن قراءته بوصفه حركة “بندولية” (Pendulum Politics): بين الضبط الخارجي (External Control) والشرعية المحلية (Local Legitimacy). اللجنة تتأرجح بين هذه الأقطاب دون أن تستقر في أي منها، حالة معلّقة لا تُنتج استقرارًا ولا تفتح أفقًا، كما تفسر Prospect Theory  ;Kahneman &Tversky, 1979 تجنّب المخاطر في الغموض.

الأكثر إشكالية هو أن الصمت نفسه قد يتحول إلى استراتيجية بقاء (Survival Strategy). والأخطر من ذلك هو الدور الإقليمي الذي يدفع نحو "الاستقرار المدار"  (Managed Stagnation)؛ وهو سكون مصطنع يُبقي الأمور قابلة للإدارة لكنها غير قابلة للحل، مما يؤدي إلى تآكل مضطرد في "رأس المال السياسي" للجنة وللفعل التكنوقراطي ككل، ويدفع الناس نحو خيارات أكثر راديكالية نتيجة فقدان الثقة في النخب الإدارية.

فبدل أن يكون الغضب أداة ضغط، كما تفعل هيئات انتقالية في سياقات أخرى عبر التلويح بالاستقالة أو تعليق العمل، نرى التزامًا بلغة محايدة، حذرة، تكاد تخلو من أي احتكاك مع مصادر التعطيل الفعلية. يمكن تفسير ذلك برغبة في الحفاظ على القنوات المفتوحة (Access Preservation)، أو تجنّب فقدان الدعم، أو حتى الحفاظ على موقع وامتيازات محدودة داخل منظومة أوسع. لكن الثمن واضح: تآكل الثقة، وتحول اللجنة إلى واجهة إدارية بلا أثر سياسي .(Low-Capacity Governance Shell)

ولا يمكن إغفال الدور غير المباشر لبعض الفاعلين الإقليميين في تشكيل هذا الإطار. فهذه الجهات، بحكم علاقاتها وتشابكاتها، تسهم في رسم حدود الحركة واللغة، وتدفع، صراحة أو ضمنًا، نحو نمط من “الاستقرار الهادئ” الذي يُبقي الأمور قابلة للإدارة دون أن تكون قابلة للحل. إنه ما يمكن تسميته بـ Managed Stagnation: سكون لا ينفجر، لكنه لا يتعافى.

ما الذي كان يُفترض أن نراه ؟

كان الحد الأدنى المتوقع من لجنة تُكلَّف بمهمة بهذا الحجم أن تُمارس سياسة ضغط علنية (Assertive Institutional Behavior): بيانات واضحة تُسمّي العراقيل، جداول زمنية مُلزِمة (Binding Timelines) ، تهديد بالانسحاب إن لم تُفتح المعابر أو تُحدَّد الصلاحيات، حشد القوى الشعبية المحلية لتشكيل حالة ضغط جماعي على أطراف القوة، أو حتى استقالة جماعية تُعيد تعريف كلفة التعطيل على الأطراف الأقوى وتحويل الاستقالة الجماعية من فعل "هروب" إلى فعل "مقاومة" سياسية تعيد تعريف كلفة التعطيل على الأطراف الأقوى وتكشف الفراغ أمام العالم.. فالتاريخ يُظهر أن اللجان التي لا تمتلك أدوات قهرية يمكنها، أحيانًا، تعويض ذلك بأدوات رمزية قوية: الشرعية، الشفافية، والتصعيد السياساتي المنضبط .(Calibrated Escalation) لكن حين يغيب هذا كله، تظهر المعادلة التي تلخّص الحالة بدقة ان التكنوقراط بدون سيادة يتحولون إلى مسرح إداري: Technocracy without Sovereignty is an Administrative Theater وهنا، لا تعود المشكلة في النوايا الفردية، بل في تصميم الدور نفسه.(Institutional Design Failure)   لجنة وُلدت داخل حدود مرسومة من الخارج، تُطالَب بنتائج لا تملك أدواتها، وتختار الصمت حفاظًا على بقائها. في مثل هذه الشروط، لا يكون الفشل مفاجأة، بل نتيجة متوقعة.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن تحويل هذه اللجنة من كيان صامت إلى فاعل ضاغط؟ الإجابة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بإعادة تعريف الوظيفة: من Crisis Management إلى Confronting Structural Constraints دون ذلك، ستبقى اللجنة عنوانًا جديدًا لسردية قديمة: لجان كثيرة، بيانات كثيرة، وأثر قليل. إن التحول من "إدارة الأزمة" إلى "مواجهة القيود الهيكلية" هو الممر الوحيد لخروجها من ازمتها؛ فالتاريخ لا يرحم اللجان التي لم تغضب حين كان الغضب هو الأداة الوحيدة المتبقية للفعل.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo