من الحسم إلى المماطلة

المشهد التفاوضي بين حماس وتل أبيب وإعادة رسم الأهداف

فلسطيني ينظر لبيته المدمر
فلسطيني ينظر لبيته المدمر

تكشف التسريبات والحراك الدبلوماسي في القاهرة عن تحوّل استراتيجي جوهري في الموقف الإسرائيلي؛ إذ انتقل من الرهان على الحسم العسكري الشامل إلى قبول واقع إدارة الأزمة عبر الضغط والتفاهمات الجزئية. في المقابل، تتمسك حماس برافضها ربط ملف الإعمار بنزع السلاح، فيما تسعى مصر إلى صياغة حل وسط.

تغيير: الإدارة لا الإنهاء

تُجمع التسريبات الصادرة عن القاهرة على مؤشر واحد: خطاب الحسم الإسرائيلي الذي صاحب العمليات العسكرية منذ أكتوبر 2023 قد تراجع، وحلّ محله خطاب "الترتيب الأمني" و"إدارة الوجود". لم تعد التصريحات تتحدث عن تصعيد وشيك، بل باتت تركّز على آليات ضبط الواقع من خلال التفاوض غير المباشر والضغط الإعلامي.

وبذلك يكون الهدف قد تغيّر من القضاء الكامل على حماس ونزع السلاح الفوري والحسم الميداني الشامل، إلى ضبط غزة أمنياً ومنع تعاظم القوة العسكرية وإنتاج ترتيب أمني جديد بدلاً من المواجهة المباشرة.

حماس تكسب مؤقتا

كشفت الوثيقة المنسوبة لردود حماس خلال اجتماعات القاهرة عن ثوابت قيادية راسخة: الفصل التام بين ملف الإعمار وأي مطالب تتعلق بنزع السلاح، مع التأكيد على بقاء الأجهزة الأمنية والشرطية لمنع الفراغ الحكومي. وتقوم هذه الثوابت على ثلاثة مبادئ:

1- الإعمار حق إنساني ناتج عن الدمار الذي خلّفه الاحتلال، ولا يُقايَض بتجريد الحركة من أدواتها العسكرية.

2- مصير القوة العسكرية قرار فلسطيني داخلي لا يخضع للإملاءات الخارجية.

3- مقترحات ملادينوف الانتقالية تُقبل جزئياً بشأن موظفي الإدارة، لكن مع استثناء الأجهزة الأمنية كلياً.

لماذا التحول؟

أولا: فشل الحسم العسكري: رغم كثافة العمليات، لم تستطع إسرائيل إنهاء حماس ميدانياً، مما دفعها إلى البديل السياسي والتفاوضي.

ثانيا: تخفيض سقف الأهداف: الهدف تحوّل من القضاء الكامل إلى ضبط الواقع الأمني ومنع تمدد القوة وهذا فارق استراتيجي جوهري لا يمكن التهوين منه.

ثالثا: البحث عن بديل أمني: يُطرح نموذج شرطة محلية وجهة أمنية واحدة، لكن دون إعلان واضح عن البديل الكامل لحماس، وهو ما يجعل هذا المسار ناقصاً بنيوياً.

ضغط وتلاعب ووساطة

يتكشف حراك القاهرة عن ثلاثة أدوار متمايزة تشكّل معاً المشهد التفاوضي:

  1. إسرائيل: تضغط عبر التسريبات الإعلامية لفرض أجندة نزع السلاح دون الانخراط المباشر في الحل.
  2. حماس: تناور للحفاظ على أوراق القوة، رافضةً أي صفقة تتضمن تنازلاً عن السلاح كشرط مسبق.
  3. مصر: تسعى إلى إنتاج صيغة وسطى تمنع الانفجار وتُبقي على دورها كوسيط إقليمي لا غنى عنه.

وتجدر الإشارة إلى حضور بُعد إقليمي أوسع يتمثل في مساعٍ دولية لإشراك إيران في المعادلة، بهدف دمج ملف غزة ضمن اتفاق إقليمي شامل يضمن تهدئة مستدامة.

الواقع مختلف

المشهد الراهن يُرجّح غياب ثلاثة سيناريوهات في المدى المنظور: لا نزع سلاح شامل في ظل ثبات الموقف الحمساوي، ولا انسحاب إسرائيلي كامل مع استمرار الوجود الأمني بأشكال مختلفة، ولا إعادة إعمار حقيقية في ظل استمرار اشتراط نزع السلاح. البديل الواقعي هو مرحلة انتقالية طويلة تُدار بالضغط المتبادل والتفاهمات الجزئية، بينما يبقى الباب موارباً لمفاوضات أعمق.

خلاصة: صراع إرادات

ما يجري اليوم في القاهرة ليس مفاوضات سلام بالمعنى الكلاسيكي، بل هو صراع لرسم شكل المرحلة القادمة. التاريخ التفاوضي لهذا الصراع يعلّمنا أن اللاءات القاطعة غالباً ما تكون مقدمة لمساومات أعمق.

وبينما يضغط المجتمع الدولي لنزع السلاح، تظل حماس متمسكة بموقفها: الأمن لا يتحقق بنزع سلاح الضحية، بل بإنهاء مسببات الصراع. المشهد يرجّح استمرار الجمود الديناميكي — توتر بلا انفجار، ومفاوضات بلا تسوية — وهو الوضع الأكثر إرهاقاً لعموم أهل غزة.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo