سؤال السلاح الفلسطيني بين القانون الدولي، اختلال القوة، ومنطق الذريعة السياسية
هل يجب على حماس أن تنزع سلاحها؟ ليس هذا سؤالًا عابرًا، ولا يمكن التعامل معه كما لو كان مجرد بند أمني في مفاوضات مؤقتة. إنه سؤال شديد الحساسية في المجتمع الفلسطيني، وفي الإقليم، وعلى المستوى الدولي أيضًا؛ لأنه يتصل بجوهر القضية الفلسطينية نفسها: الاحتلال، وحق تقرير المصير، وحق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية في مقاومة الاحتلال، وحدود القوة، ومعنى الأمن، ومن يملك أصلًا حق تعريف “العنف المشروع” و“العنف غير المشروع”.
في الخطاب الغربي، وخصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، تُقدَّم حماس غالبًا بوصفها تنظيمًا فاقدًا للشرعية، بل مصنّفًا ضمن قوائم الإرهاب. فالولايات المتحدة تدرج حماس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، كما يدرجها الاتحاد الأوروبي ضمن نظامه الخاص بالعقوبات ومكافحة الإرهاب. لكن السياق الفلسطيني لا يُقرأ من داخل هذا التصنيف وحده؛ فالواقع الفلسطيني محكوم بتاريخ طويل من الاحتلال، والتهجير، والحصار، وفشل التسويات، وانعدام الحماية الدولية الفعلية. لذلك، فإن سؤال السلاح في الحالة الفلسطينية لا يمكن عزله عن سؤال الاحتلال ذاته.
ومن هنا تظهر الإشكالية الأعمق: من يملك حق تعريف “الإرهاب”؟ وهل استُخدم هذا المفهوم، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كأداة قانونية محايدة، أم كأداة سياسية مرتبطة بتوازنات القوة الدولية؟ في المقابل، لا يزال القانون الدولي يقر بحق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 2625 لعام 1970 مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، واعتبرت أن إخضاع الشعوب للاستعباد أو السيطرة أو الاستغلال الأجنبي يمثل انتهاكًا لهذا الحق. كما أكدت الجمعية العامة في القرار 37/43 الصادر في 3 كانون الأول/ديسمبر 1982 شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية /والأجنبية والاحتلال الأجنبي، بما في ذلك الكفاح المسلح، مع بقاء هذا كله مقيدًا بقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحمي المدنيين وتحظر استهدافهم.
وهذا التقييد مهم جدًا. فالدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال لا يعني إعفاء أي طرف من قواعد القانون الدولي الإنساني. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 يؤكدان حماية المدنيين، وحظر العقاب الجماعي، وحظر استهداف غير المقاتلين، ووجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين. لذلك، فإن النقاش الجاد لا يقول إن كل فعل مسلح مشروع، بل يقول إن أصل مقاومة الاحتلال له سند في القانون الدولي، بينما تخضع وسائل المقاومة نفسها لقواعد صارمة. وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين حق الشعوب في التحرر من الاحتلال وبين أي انتهاكات قد ترتكبها أطراف النزاع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يجوز أن يُطلب من الفلسطينيين، بعد كل ما جرى في غزة، أن يقدموا نزع السلاح كجائزة سياسية للاحتلال؟ وهل من المنطق أو الأخلاق أو القانون أن يُطرح نزع السلاح الفلسطيني بمعزل عن إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، ووقف العدوان، وضمان الحماية، وإعادة الإعمار، وفتح مسار سياسي حقيقي نحو دولة فلسطينية؟ وهنا تكمن مشكلة حماس التي تصر ان تتصدر التفاوض، ولكن إن طرح نزع سلاح حماس كشرط أحادي، من دون ضمانات، لا يبدو طرحًا للسلام بقدر ما يبدو طرحًا للاستسلام.
ثم إن السؤال نفسه يحتاج إلى تفكيك: عن أي سلاح نتحدث؟ فالسلاح الفلسطيني في غزة، حتى في أقصى مراحل تطوره، لم يكن ترسانة استراتيجية بالمعنى الحقيقي. لم يكن سلاح دولة، ولا جيشًا نظاميًا، ولا منظومة ردع متكافئة، ولا قدرة عسكرية تقارن بإسرائيل لا من حيث النوع ولا الكم ولا التكنولوجيا ولا الدعم الدولي. في أحسن الأحوال، كان سلاحًا محدودًا، بدائيًا نسبيًا، تطور في بيئة محاصرة، وتحت رقابة عسكرية واستخباراتية خانقة، وفي ظل منع شبه كامل لأي قدرة طبيعية على التسلح أو التصنيع أو الدفاع. ولذلك فإن تصوير غزة كما لو أنها تمتلك قوة عسكرية مكافئة لإسرائيل هو قلب للواقع، بل تزوير لطبيعة اختلال القوة.
بل إن السؤال اليوم أكثر حدة: هل بقي في غزة ما يمكن أن يسمى “سلاحًا” بالمعنى السياسي والعسكري الفعلي بعد تدميرها فوق الأرض وتحت الأرض؟ عن أي قوة يجري الحديث بعد تدمير الأنفاق، والمباني، والبنية التحتية، والطرق، والجامعات، والمستشفيات، والمخيمات، ومراكز الحياة المدنية؟ هل يدور النقاش حول قدرة عسكرية حقيقية، أم حول رمز سياسي يراد انتزاعه من الفلسطينيين بعد أن دُمّرت شروط حياتهم نفسها؟ هنا يبدو مطلب نزع السلاح وكأنه لا يستهدف السلاح بقدر ما يستهدف ما تبقى من معنى المقاومة والكرامة السياسية. ومن جانب اخر مبرر لمزيد من التدخل والهيمنة وفرض الشروط والرقابة والخنق
ومن ناحية أخرى، لماذا لا يُطرح السؤال المقابل: هل يجب نزع سلاح إسرائيل؟ أليست إسرائيل هي القوة المحتلة؟ أليست هي الطرف الأكثر تسليحًا، والأكثر عسكرة، والأكثر قدرة على التدمير؟ إسرائيل ليست دولة تملك جيشًا فحسب، بل هي مجتمع شديد العسكرة، يتداخل فيه الجيش مع السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والصناعات الدفاعية. كما أن إسرائيل تُعد، وفق تقديرات دولية واسعة، قوة نووية غير معلنة رسميًا، تتبع سياسة الغموض النووي، ولم تنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT، بينما ظل مفاعل ديمونا خارج نظام الرقابة الدولية الكاملة.
إذا كان هدف المجتمع الدولي هو الأمن، فلماذا يُطلب نزع سلاح الطرف الأضعف وحده؟ وإذا كان الهدف هو حماية المدنيين، فلماذا لا يُطرح تفكيك آلة الحرب الإسرائيلية، أو على الأقل إخضاعها للمساءلة والرقابة والعقوبات؟ وإذا كان معيار الشرعية هو احترام القانون الدولي، فإن محكمة العدل الدولية نفسها أصدرت في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، أوامر تدابير مؤقتة في 26 كانون الثاني/يناير 2024، ثم أوامر إضافية في 28 آذار/مارس 2024، ثم أمرًا في 24 أيار/مايو 2024 ألزم إسرائيل، من بين أمور أخرى، باتخاذ تدابير لمنع الأفعال الداخلة في نطاق اتفاقية الإبادة، وضمان وصول المساعدات، ووقف العمليات في رفح وفق صيغة الأمر الصادر حينها.
الأمر لا يقف عند محكمة العدل الدولية. ففي 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية أوامر قبض بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، والقتل، والاضطهاد، وأفعال لا إنسانية أخرى. وهذا لا يعني صدور حكم إدانة نهائي، لكنه يعني أن أعلى محكمة جنائية دولية دائمة وجدت أساسًا قانونيًا كافيًا لإصدار أوامر قبض بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق.
ثم جاءت تقارير دولية عديدة لتعزز خطورة الصورة القانونية. فقد خلصت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، في تقريرها A/HRC/55/73 بعنوان “Anatomy of a Genocide” الصادر في آذار/مارس 2024، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن العتبة القانونية التي تشير إلى ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة قد تحققت. كما خلصت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. وخلصت هيومن رايتس ووتش، في تقريرها الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2024 عن حرمان الفلسطينيين من المياه، إلى أن هذه السياسات ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية تتمثل في الإبادة، وإلى أفعال إبادة.
والأهم أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، أعلنت في أيلول/سبتمبر 2025 أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ودعت إسرائيل وجميع الدول إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية بإنهاء الإبادة ومعاقبة المسؤولين عنها. ورغم أن إسرائيل ترفض هذه الاتهامات وتعتبرها مسيسة، فإن تراكم هذه المسارات القضائية والحقوقية يجعل من غير المقبول سياسيًا وأخلاقيًا أن يتحول النقاش الدولي إلى سؤال واحد فقط: ماذا عن سلاح حماس؟
هنا يتضح الخلل الجوهري في مطلب نزع السلاح: فهو لا يُطرح ضمن هندسة سلام عادلة، بل غالبًا ضمن هندسة إذعان. لم يُطرح حتى الآن إطار دولي جدي يربط نزع السلاح بإنهاء الاحتلال، ولا بخروج القوات الإسرائيلية، ولا برفع الحصار، ولا بإعادة الإعمار، ولا بضمانات حماية دولية، ولا بعفو سياسي وأمني، ولا بإدماج وطني، ولا بانتخابات فلسطينية، ولا بقيام دولة فلسطينية مستقلة. من يريد نزع السلاح فعلًا يجب أن يقدّم بيئة سياسية وأمنية تجعل نزع السلاح ممكنًا. أما أن يُطلب من حركة مسلحة أن تتخلى عن سلاحها من دون أفق، ومن دون حماية، ومن دون ضمانات، ومن دون مقابل سياسي، فهذا ليس حلًا؛ بل وصفة حقيقية لاستمرار الحرب.
وهنا تكمن النقطة الأكثر خطورة: قد لا يكون الهدف الحقيقي من مطلب نزع السلاح هو نزع السلاح أصلًا، بل خلق مبرر لاستمرار القتل والتدمير. فمن يريد إنهاء السلاح يفتح طريق السياسة. ومن يريد إنهاء الحرب يقدم ضمانات. ومن يريد دمج الحركات المسلحة في مسار سياسي يطرح عفوًا، وحماية، وانتخابات، وإعادة بناء للمؤسسات. أما من يرفع شعار نزع السلاح من دون أي من هذه العناصر، فهو غالبًا لا يبحث عن حل، بل يبحث عن ذريعة. الذريعة هنا تقول: ما دامت حماس لم تسلم سلاحها، فلتستمر الحرب. وما دامت الحرب مستمرة، فليستمر التدمير. وما دام التدمير مستمرًا، فليُعاد تشكيل غزة بالقوة، وربما بالتهجير والسيطرة والإخضاع.
ومن هنا يجب قلب السؤال: هل حماس مطالبة بالتفكير في مستقبل السلاح؟ نعم. هل السلاح ينبغي أن يبقى خارج أي إطار وطني وسياسي إلى الأبد؟ لا. هل يجوز أن يبقى القرار العسكري منفصلًا عن الشعب الفلسطيني ومؤسساته وضرورات حمايته؟ لا. لكن هل يجوز أن يُطلب نزع السلاح الآن، كشرط أحادي، بعد الإبادة والتدمير والحصار، ومن دون إنهاء الاحتلال؟ أيضًا لا. فالسلاح لا يمكن أن يُناقش كموضوع تقني منفصل عن السياسة، ولا كشرط إذعان منفصل عن الحقوق الوطنية.
لقد سبق لحماس في وثيقتها السياسية لعام 2017 أن قبلت، ضمن صيغة سياسية، إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، من دون أن يعني ذلك اعترافًا صريحًا بإسرائيل أو تنازلًا عن كامل خطابها التاريخي. هذه الصيغة، على تناقضاتها، تكشف أن هناك إمكانية نظرية لتحويل الحركات الفلسطينية من الفعل العسكري إلى الفعل السياسي إذا وُجد مسار حقيقي: دولة، سيادة، انتخابات، ضمانات، حماية، وحقوق. أما أن يُطلب التحول السياسي من طرف واحد، بينما يستمر الاحتلال في القتل والحصار والاستيطان، فذلك ليس تحولًا سياسيًا؛ بل تجريدًا للفلسطينيين من أدواتهم قبل الاعتراف بحقوقهم.
إن القانون الدولي لا يمنح الاحتلال حقًا مفتوحًا في سحق الشعوب، ولا يمنح المقاومة حقًا مفتوحًا في تجاوز القانون الإنساني. لكنه، في الوقت نفسه، لا يساوي أخلاقيًا وسياسيًا بين شعب واقع تحت الاحتلال وقوة احتلال تمتلك جيشًا نظاميًا وترسانة هائلة ودعمًا دوليًا واسعًا. قرار الجمعية العامة 3314 لعام 1974 بشأن تعريف العدوان أكد في مادته السابعة أن شيئًا في تعريف العدوان لا يمس حق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية أو الأجنبية أو الأنظمة العنصرية في تقرير المصير والحرية والاستقلال، ولا حقها في النضال من أجل هذه الغاية وطلب الدعم وتلقيه، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
لذلك، فإن الجواب المنطقي ليس “نعم” أو “لا” بمعناهما البسيط. لا ينبغي أن يكون نزع سلاح حماس مكافأة للاحتلال بعد التدمير، ولا شرطًا مسبقًا لإذلال الفلسطينيين، ولا ذريعة لاستمرار الحرب. لكنه يمكن أن يصبح جزءًا من حل سياسي شامل إذا جاء في سياق مختلف تمامًا: وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، رفع الحصار، ضمانات حماية دولية، إعادة إعمار، إطلاق مسار سياسي جدي، توحيد المؤسسات الفلسطينية، انتخابات عامة، عفو وترتيبات انتقالية، وإعادة تعريف السلاح ضمن مؤسسة وطنية فلسطينية شرعية وخاضعة للمساءلة.
أما خارج هذا الإطار، فإن مطلب نزع السلاح ليس سلامًا. إنه مطالبة الطرف الأضعف بأن يتخلى عن آخر أوراقه، بينما يحتفظ الطرف الأقوى بكل أدوات القوة والحصار والعقاب. وهذا لا ينزع فتيل الصراع، بل يعيد إنتاجه. لا سلام حقيقيًا يبدأ بتجريد الضحية من السلاح وترك الاحتلال مسلحًا حتى الأسنان. السلام يبدأ من إنهاء السبب الأصلي للسلاح: الاحتلال، والحصار، وغياب الدولة، وغياب العدالة.
أن نزع السلاح لا يكون مدخلًا عادلًا للحل إذا سبق السياسة والحقوق والضمانات. قد يكون نتيجة لتسوية عادلة، لكنه لا يمكن أن يكون شرطًا لإدامة الهزيمة. والسؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن تنزع حماس سلاحها؟ بل: هل يريد العالم فعلًا إنهاء سبب السلاح، أم يريد فقط نزع ما تبقى للفلسطينيين من قدرة رمزية على الرفض؟
