فوائد الرهن على الركام

الإحتلال وسلطة النقد الفلسطينية على المواطن

الإحتلال وسلطة النقد الفلسطينية على المواطن
الإحتلال وسلطة النقد الفلسطينية على المواطن

في دول كثيرة، تُعامل فوائد قرض السكن باعتبارها عبئًا مرتبطًا بالحصول على السكن الأساسي، لذلك تسمح الدولة بخصمها من الدخل الخاضع للضريبة. أي أن النظام الضريبي يعترف بأن ما يدفعه المواطن كفوائد على سكنه ليس دخلًا حرًا متاحًا للإنفاق، بل كلفة ضرورية مرتبطة بحق السكن.
أما في حالة غزة، فالمسألة أكثر قسوة بكثير: المواطن لا يطلب خصم فوائد القرض من دخله الخاضع للضريبة، بل يواجه وضعًا انعدمت فيه الأسس الثلاثة التي قام عليها القرض أصلًا: الدخل، والسكن، والقدرة الواقعية على السداد. فالقرض أُخذ لبناء أو شراء مسكن، والمسكن دُمّر أو أصبح غير قابل للاستخدام، والدخل إما انقطع أو تقلص إلى مستوى لا يكفي الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. عندئذ يصبح الإصرار على تحصيل الأقساط والفوائد/الأرباح ليس تطبيقًا عاديًا لعقد مصرفي، بل نقلًا كاملًا لعبء الكارثة من النظام المالي والمؤسسات العامة إلى الفرد المنكوب.
حسب بيانات منشورة عن سلطة النقد، تم تأجيل استيفاء أقساط القروض على المقترضين الأفراد في قطاع غزة حتى نهاية 2025، مع خطة لاستئناف السداد تدريجيًا ابتداءً من كانون الثاني/يناير 2026 بنسبة 25% من قيمة القسط، وصولًا إلى سقف لا يتجاوز 50% من الراتب في النصف الثاني من 2026. كما ظهرت اعتراضات حقوقية على استئناف الخصم، منها بيان لمؤسسة الضمير في 14 كانون الثاني/يناير 2026 يطالب سلطة النقد والبنوك بالتراجع عن خصم أقساط القروض للموظفين العموميين في غزة. 
سلطة النقد الفلسطينية.
هنا يصبح السؤال الاقتصادي والأخلاقي هو: كيف يُطلب من المقترض أن يستمر في دفع ثمن السكن بعد أن زال السكن؟ وكيف يُطلب منه دفع فوائد على دخل مفترض بينما الدخل نفسه لم يعد موجودًا أو لم يعد كافيًا للبقاء؟ في الأنظمة الطبيعية، الدولة تتدخل لتخفيف عبء فائدة السكن عن المواطن القادر نسبيًا. فكيف في حالة كارثية كغزة لا يكون الحد الأدنى هو وقف الفوائد والأرباح، وإعادة هيكلة أصل الدين، وربط أي سداد مستقبلي بإعادة الإعمار وعودة الدخل؟
طبعًا، للبنوك حجة مقابلة: هي تقول إنها مؤتمنة على أموال المودعين، وأن القروض أصول في ميزانياتها، وأن انهيار التحصيل بالكامل قد يهدد الاستقرار المصرفي. وهذا ورد أيضًا في خطاب سلطة النقد التي تؤكد التوازن بين التخفيف عن الناس والحفاظ على الجهاز المصرفي. 
لكن هذه الحجة لا تكفي أخلاقيًا ولا اقتصاديًا لتحميل الفرد الغزي وحده كلفة حرب وتدمير شاملين. الاستقرار المصرفي لا يجوز أن يتحقق عبر خنق الأسر التي فقدت مساكنها ومصادر دخلها. 
لذلك، الحجة الأقوى ليست مجرد “إعفاء الناس من الدفع”، بل المطالبة بسياسة مالية ومصرفية استثنائية، مثل:
تجميد كامل للفوائد والأرباح التعاقدية على قروض غزة طوال فترة الحرب والتعافي المبكر.
عدم رسملة الفوائد المؤجلة فوق أصل الدين، لأن ذلك يحوّل التأجيل إلى فخ مديونية.
إعادة جدولة أصل القرض فقط بعد عودة الدخل الحقيقي، وبنسبة لا تمس الحد الأدنى للمعيشة.
إنشاء صندوق ضمان أو تعويض تشارك فيه سلطة النقد، البنوك، الحكومة، المانحون، ومؤسسات إعادة الإعمار.
معاملة القروض السكنية المرتبطة بمساكن مدمرة معاملة خاصة، لأنها لم تعد قروض استهلاك عادية بل ديون مرتبطة بأصل مفقود قسرًا لأسباب نضال وطنية.

المصدر : خاص-زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo