الحصار باقٍ والسيطرة الإسرائيلية قائمة
لم يعد معبر رفح مجرد نقطة عبور حدودية، بل تحوّل إلى ساحة اختبار سياسية تكشف جوهر الترتيبات المفروضة على قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. بين قرار حكومة نتنياهو بفتح المعبر بشروط أمنية صارمة، والتفاهمات الأميركية المعلّقة، والرهان الدولي على مجلس السلام ولجنة التكنوقراط، ويجمع مراقبون على حقيقة واحدة: فتح المعبر لا يعني إنهاء الحصار، بل إعادة إنتاجه بصيغة جديدة.
أداة احتلال وليس بوابة إنسانية
يرى حسن عصفور أن قرار حكومة نتنياهو فتح معبر رفح بعد أكثر من ثلاثة أشهر على اتفاق شرم الشيخ وقرار مجلس الأمن 2803، لا يحمل أي مضمون إنساني حقيقي، بل يمثل مناورة سياسية مكتملة الأركان.
فالقرار، وفق الكاتب والسياسي فلسطيني عصفور، جاء متأخرًا، وبشروط تختلف جذريًا عمّا نصّ عليه القرار الدولي، ليؤكد أن السيادة الأمنية والسياسية على غزة باتت إسرائيلية خالصة، فيما تُوزَّع الأدوار الأخرى كمهام إدارية يومية لا تمس جوهر السيطرة.
ويشير عصفور في مقال على موقع "أمد" الالكتروني، إلى أن إخضاع حركة الأفراد لرقابة جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، وتحويل الوجود الفلسطيني والأوروبي إلى دور فني بلا صلاحيات، يُفرغ القرار الدولي من مضمونه، ويعيد تعريف غزة ككيان “افتراضي” منزوع الإرادة السياسية.
كما يحذّر من أن تمرير القرار بصيغته الحالية يعني اعترافًا عمليًا بمرجعية الاحتلال، بينما رفضه يضع الفلسطينيين أمام معادلة قاسية بين الصدام السياسي والحاجة الإنسانية التي فرضتها حرب الإبادة.
غطاء لإدامة الحصار
ويرى مصطفى إبراهيم المشهد من زاوية أكثر شمولًا، معتبرًا أن معبر رفح أصبح مرآة فاضحة للشراكة السياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة في إدارة الحرب والحصار.
فما يُسوّق بوصفه “تفاهمات أميركية” لفتح المعبر، لا يتجاوز كونه تصريحات إعلامية بلا آليات إلزام، تُغرقها إسرائيل سريعًا بشروط أمنية تُفرغها من أي أثر فعلي (حسب رؤيته).
ويذهب الكاتب والحقوقي الفلسطيني مصطفى إبراهيم أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحصار والتجويع وقطع الخدمات، مثل أزمة المياه الخانقة في مدينة غزة، ليست نتائج جانبية للحرب، بل سياسة ممنهجة لإخضاع السكان.
كما حذر من ربط فتح المعابر بوعود إعادة الإعمار، التي تُطرح – حسب وصفه – كمشروع سياسي–اقتصادي جديد، تُصادَر فيه الأراضي وتُعاد هندسة المكان وفق أولويات استثمارية تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، لا حقوق الفلسطينيين.
في هذا السياق، يرى أن التصريحات الفلسطينية الرسمية حول تحسن الأوضاع الإنسانية، تصطدم بجدار القيود الإسرائيلية وغياب الضمانات، ما يحوّل الوعود إلى أدوات لشراء الوقت وامتصاص الغضب الشعبي.
حدود كبح نتنياهو
من داخل الصحافة العبرية، تقدم الصحفية الإسرائيلية ليزا روزوفسكي قراءة مختلفة في الشكل، لكنها تلتقي في الجوهر مع النقد الفلسطيني.
فهي تشير إلى أن واشنطن تحاول، عبر مجلس السلام وممثله نيكولاي ملادينوف، قطع طريق الهروب السياسي أمام نتنياهو، وإجباره على فتح معبر رفح، ولو بشكل محدود.
غير أن روزوفسكي في مقال بصحيفة هآرتس تؤكد أن فتح المعبر – حتى لو تم – سيبقى مقيدًا للغاية، مخصصًا لعبور الأفراد فقط، وتحت رقابة أمنية إسرائيلية صارمة. كما تبرز العقبات البنيوية أمام خطة “اليوم التالي”، وعلى رأسها فشل تشكيل قوة أمنية فلسطينية بديلة، في ظل نقص التمويل، والفيتو الإسرائيلي، وخشية الدول من المشاركة بقوات دولية.
وتخلص الكاتبة إلى أن نجاح لجنة التكنوقراط ومجلس السلام لا يتوقف فقط على إدخال المساعدات، بل على قدرتهم على تفكيك متاهة الشروط الأمنية الإسرائيلية، وهي مهمة تبدو – حتى الآن – شديدة التعقيد.
حصار بصيغة جديدة
تتقاطع المقالات الثلاث، رغم اختلاف خلفيات كتّابها، عند نتيجة مركزية: معبر رفح يُستخدم كورقة سياسية لا كحل إنساني.
فإسرائيل تسعى لتكريس سيادتها الكاملة على غزة عبر المعابر، والولايات المتحدة توفر الغطاء السياسي تحت مسمى “التفاهمات”، بينما يُدفع الفلسطينيون إلى القبول بفتات إنساني مقابل تنازلات سيادية عميقة، سيظل فتح رفح إجراءً شكليًا، يُخفف الضغط مؤقتًا، لكنه يُعيد إنتاج الحصار بأدوات أقل صخبًا وأكثر ديمومة.
