2026:

مستقبل فلسطيني معلّق بين صمود الشعب وصفقات الكبار

فلسطينيون نازحون
فلسطينيون نازحون

انتهت أطول وأكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بوقف إطلاق نار هش في أكتوبر الماضي، بعد عامين من القتال بدأ بغارات حماس على جنوب فلسطين المحتلة. خلّفت الحرب قطاع غزة مدمراً بشكل شبه كامل، مع سقوط أكثر من عُشر الفلسطينيين بين قتيل وجريح، فيما أصبحت الغالبية العظمى بلا مأوى.

رغم استمرار وقف إطلاق النار اسمياً، قتلت إسرائيل أكثر من 400 فلسطيني منذ بدء سريانه. يعيش السكان الناجون في أقل من نصف مساحة القطاع، بينما تحوّل معظم الأراضي إلى ركام. في الضفة الغربية، تسارعت وتيرة الاستيلاء على الأراضي والتغييرات المؤسسية التي تبدو مصممة لجعل الضم الفعلي واقعاً دائماً.

ترامب: من الوساطة إلى تأييد التهجير

بدأ الرئيس ترامب بنهج بنّاء عندما ساهم في إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في يناير قبل عودته رسمياً للبيت الأبيض. لكن بدلاً من البناء على هذا الزخم، اقترح إخلاء غزة من الفلسطينيين، معيداً إحياء فكرة انتقلت من هامش الخطاب الإسرائيلي إلى صلب النقاش العام.

في مارس، دعمت الإدارة الأمريكية هجوماً إسرائيلياً جديداً استمر سبعة أشهر إضافية، أسفر عن مقتل آلاف آخرين ليصل عدد القتلى منذ أكتوبر 2023 إلى 71 ألفاً على الأقل، وربما أكثر بكثير. أعلنت إسرائيل أكثر من 70% من القطاع منطقة محظورة، ودفعت الفلسطينيين للتجمع في جيوب متناقصة باستمرار.

تجويع ممنهج وفوضى إنسانية

حوّلت إسرائيل الغذاء إلى سلاح حرب، موزعة المساعدات على حافة المجاعة. تسبب نظام توزيع مدعوم أمريكياً - مؤسسة غزة الإنسانية المصممة لتحل محل جهود الأمم المتحدة - في فوضى عارمة في نقاط التوزيع. قوّضت الوساطة الفاترة برفض ترامب استخدام النفوذ الأمريكي لحمل إسرائيل على التوقف، في نهج يعكس سياسة بايدن لكن مجرد حتى من الدعوات الفاترة لضبط النفس.

لم يتحرك قادة المنطقة للضغط على ترامب إلا بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر، التي استهدفت قادة حماس وأسفرت عن مقتل ضابط قطري. رغم تفضيل نتنياهو مواصلة الحرب، خدم الاتفاق الذي وقعه - نسخة معدلة مما اتفق عليه ترامب مع القادة العرب - المصالح الإسرائيلية إلى حد كبير.

اتفاق غامض يؤجل القضايا الصعبة

شهدت المرحلة الأولى من اتفاق أكتوبر إطلاق حماس سراح الرهائن الإسرائيليين المتبقين، مقابل إطلاق إسرائيل نحو ألفي أسير فلسطيني. قسّم الاتفاق غزة إلى منطقتين: منطقة أصغر تضم معظم السكان استعادت حماس السيطرة عليها، محاطة بمنطقة أكبر تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.

ينص الاتفاق على إدارة القطاع من خلال هيئة سلام دولية برئاسة ترامب، وجهاز تنفيذي دولي يشرف على إعادة الإعمار، ولجنة من التكنوقراط الفلسطينيين للإشراف على الإدارة اليومية. لم تُشكّل هذه الهيئات بعد، وتبقى ولاياتها غير واضحة.

ترتيبات أمنية محفوفة بالغموض

الترتيبات الأمنية أكثر غموضاً. من المفترض نشر قوة استقرار دولية مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، لكن الدول المحتملة للمساهمة ترددت؛ فتفويض القوات وقواعد الاشتباك غامضة، وليس واضحاً من سيدفع التكاليف، ولا ترغب أي دولة في إرسال جنود لنزع سلاح حماس رغماً عنها.

المأزق الأساسي لا يزال قائماً: تتوقع إسرائيل من حماس نزع سلاحها قبل الانسحاب والسماح بإعادة الإعمار، بينما ترى حماس نزع السلاح أمراً مؤجلاً. في الوقت نفسه، يرفض المانحون تمويل إعادة الإعمار دون ضمانات بألا تُقوّي حماس أو تُدمّرها إسرائيل مجدداً.

الضفة الغربية: قمع متصاعد وضم فعلي

يتفاقم القمع الإسرائيلي في الضفة الغربية من سيء إلى أسوأ. خلال الحرب، صعّدت إسرائيل القيود على الحركة، وخنقت الاقتصاد، وصادرت الأراضي، ووسّعت المستوطنات. لم تخفف أياً من هذه الإجراءات منذ وقف إطلاق النار، بل لا يزال الوزراء يلمّحون لخطط ضم أجزاء من الضفة رسمياً.

رغم إدانة إدارة ترامب والإمارات وعواصم صديقة أخرى لفكرة الضم، لم يبذلوا جهداً يُذكر لمعارضة فرض إسرائيل سيادتها الفعلية على أجزاء من الضفة الغربية.

إسرائيل: قوة عسكرية وعزلة سياسية متزايدة

بعد مرور عامين على هجوم 7 أكتوبر 2023، تبدو إسرائيل أقوى عسكرياً من أي وقت مضى. نجحت حملاتها ضد إيران وحزب الله وفق بعض المقاييس، وأصبحت حماس ظلاً لما كانت عليه. لكن إسرائيل لم توجه ضربة قاضية لأي من خصومها، ويبدو نتنياهو متصوراً بلاده في حالة احتكاك دائم مع معظم دول المنطقة.

عززت الحروب اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأمريكية، بينما تراجعت شعبيتها داخل الحزب الديمقراطي، خاصة بين الشباب الذين شعروا بالرعب من الحملة على غزة. كما يتشتت الدعم بين الجمهوريين، مدفوعاً بأجندة "أمريكا أولاً" وعودة ظهور معاداة السامية الحقيقية.

الفلسطينيون: بقاء بدلاً من تقرير المصير

بالنسبة للفلسطينيين، يبدو العام المقبل قاتماً. رغم اعتراف أكثر من 150 دولة بفلسطين ومقعدها في الأمم المتحدة، تُقوّض القدرة على ممارسة حق تقرير المصير بشكل ممنهج. حلّت الحاجة الملحة للبقاء محل الأهداف السياسية.

في غزة، يكمن السؤال في قدرة الفلسطينيين على الصمود كأفراد والتماسك كمجتمع. في الضفة الغربية، يتمثل السؤال في سرعة تقلص الأراضي وتسارع النزوح وتلاشي سلطة السلطة الفلسطينية.

إذا فشلت خطة ترامب، سيظل معظم سكان غزة محاصرين في منطقة مجزأة مع سيطرة إسرائيلية على أكثر من نصف القطاع. أما إذا نجحت، فتُخاطر بأن تُتفاوض عليها إسرائيل والدول العربية وواشنطن دون موافقة الفلسطينيين، مرسّخة استبعادهم من القرارات المتعلقة بمستقبلهم السياسي.

 

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo