المشهد الفلسطيني شديد التعقيد، لكن عقدته الأخطر اليوم تبدو عالقة في قطاع غزة، حيث يعيش الناس تحت الجوع والحصار والخنق والقتل، بينما تُستخدم ذريعة “نزع سلاح حماس” لتبرير استمرار السيطرة والعقاب الجماعي.
لا يمكن النظر إلى مسألة السلاح بمعزل عن اختلال ميزان القوة الهائل: إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا تقليديًا ساحقًا، وترسانة غير خاضعة للمحاسبة، بينما يُطلب من الفلسطينيين وحدهم تقديم التنازلات الأمنية والسياسية. لذلك فإن أي حديث عن السلاح يجب ألا يكون استجابة للمنطق الإسرائيلي، بل جزءًا من ترتيب وطني فلسطيني شامل يضمن وقف الحرب، انسحاب الاحتلال، منع التهجير، إعادة الإعمار، وحماية الحقوق السياسية والمدنية للفلسطينيين جميعًا.
ومع ذلك، فإن حماس تتحمل مسؤولية سياسية كبرى في طريقة إدارة هذه العقدة. الخوف من تسليم السلاح دون ضمانات مفهوم سياسيًا؛ فالحركة تخشى على قواعدها، وعلى حقها في الوجود السياسي، وعلى عدم تعرض عناصرها للملاحقة أو التصفية. لكن هذا الخوف لا يجوز أن يتحول إلى تمترس دائم يترك أهل غزة وحدهم يدفعون الثمن.
المطلوب ليس تصريحات إعلامية متقطعة تطالب السلطة الفلسطينية بأخذ دورها، بل مبادرة سياسية رسمية وواضحة من حماس، عبر وساطات فلسطينية ومصرية وعربية وإقليمية، لعقد اجتماع مباشر على أعلى مستوى مع القيادة الفلسطينية، وبحضور أطراف وازنة مثل مصر وقطر وتركيا والسعودية، من أجل وضع خارطة طريق وطنية لمعالجة ملف السلاح.
يمكن تلخيص الآلية التنفيذية المقترحة في الخطوات الآتية:
1. إعلان حماس استعدادها الرسمي لترتيب ملف السلاح ضمن مرجعية وطنية فلسطينية، لا ضمن إملاءات إسرائيلية.
2. دعوة عاجلة ومباشرة لاجتماع قيادي فلسطيني رفيع المستوى يضم حماس، والسلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير، وبحضور وسطاء فلسطينيين ومصريين وعرب وإقليميين.
3. وضع خارطة طريق زمنية لنقل ملف السلاح إلى السلطة الفلسطينية أو إلى جسم وطني تفوضه السلطة، بما يضمن وحدة القرار الأمني والسياسي الفلسطيني.
4. تقديم ضمانات سياسية وقانونية لحماس وقواعدها، تشمل عدم الملاحقة خارج القانون، حماية الحقوق المدنية، وضمان الحق في المشاركة السياسية.
5. تحويل حماس إلى حزب سياسي مدني أو إعادة تشكيلها ضمن إطار سياسي جديد، بما ينقلها من منطق الحركة المسلحة إلى منطق العمل السياسي الوطني.
6. إدماج حماس في منظمة التحرير الفلسطينية ضمن صيغة انتقالية، على أن يُعاد تحديد الأوزان والحصص لاحقًا عبر انتخابات نزيهة وشفافة.
7. ربط هذه العملية بوقف الحرب، رفع الحصار، انسحاب الاحتلال، إعادة الإعمار، منع التهجير، واستعادة السيطرة الفلسطينية الكاملة على قطاع غزة.
8. تحويل هذه التضحية السياسية إلى مدخل لإطلاق عملية سلام جدية تنتهي بقيام الدولة الفلسطينية، لا إلى مجرد ترتيب أمني يخدم الاحتلال أو يطيل عمر الأزمة.
هذه الخارطة يجب أن تقوم على نقل السلاح أو ترتيبه تحت مرجعية فلسطينية شرعية، سواء بيد السلطة الفلسطينية أو عبر جسم وطني تفوضه، مقابل ضمانات عربية وإقليمية ودولية واضحة: حماية الحقوق المدنية والسياسية لقواعد حماس، منع الملاحقة خارج إطار القانون، ضمان المشاركة السياسية، وتحويل الحركة إلى حزب سياسي مدني أو إعادة تشكيلها ضمن إطار سياسي جديد.
كما ينبغي أن يكون ذلك مرتبطًا باندماج حماس في منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، على أن يعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني لاحقًا عبر انتخابات حرة تتيح لكل طرف أن يأخذ حجمه الحقيقي من الشعب لا من السلاح ولا من الأمر الواقع.
إذا كانت حماس تقول إنها ضحّت كثيرًا في هذه الحرب، فإن استمرار التضحية اليوم يجب أن يكون في الاتجاه السياسي المسؤول: نزع فتيل الأزمة، توحيد القرار الفلسطيني، إعادة السلطة الوطنية الشرعية إلى قطاع غزة، وقف الذرائع الإسرائيلية، ومنع تهجير الفلسطينيين أو تحويل غزة إلى منطقة مدمرة بلا أفق.
الصلابة لا تعني التمترس في المكان الخطأ. والمسؤولية لا تعني البقاء داخل المأزق حتى النهاية. المسؤولية اليوم أن تبادر حماس إلى حل وطني شجاع: ترتيب ملف السلاح ضمن مرجعية فلسطينية جامعة، التحول إلى فعل سياسي مدني، والاندماج في منظمة التحرير، بما يحفظ ما تبقى من غزة، ويعيد للفلسطينيين وحدتهم وقرارهم وحقهم في المستقبل.
