غزة بين الفرصة الإنسانية والمخاطر الاستراتيجية

من وقف إطلاق النار إلى الصراع على إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني

غزة بين الفرصة الإنسانية والمخاطر الاستراتيجية
غزة بين الفرصة الإنسانية والمخاطر الاستراتيجية

لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل تتوقف حرب الإبادة على غزة؟ بل أصبح: أيُّ نظام سياسي سيولد من تحت أنقاضها؟ وأيُّ شرق أوسط سيخرج من رحم هذه الحرب وما تلاها من حروب ومواجهات أعادت تشكيل خرائط القوة والنفوذ في الإقليم؟

فالقراءة التي تختزل ما يجري في مفاوضات لوقف إطلاق النار، أو تفاهمات إنسانية لإدخال المساعدات، أو ترتيبات لإعادة الإعمار، تبقى قراءة قاصرة عن إدراك التحول العميق الجاري. فما نشهده لا يمثل نهاية حرب الإبادة فحسب، بل بداية مرحلة جديدة يعاد فيها توزيع موازين القوى، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين، وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ضمن ترتيبات إقليمية ودولية تتجاوز حدود قطاع غزة لتطال مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.

لقد تحولت غزة إلى نقطة ارتكاز تتقاطع فوقها مشاريع استراتيجية متعددة: المشروع الإسرائيلي الساعي إلى إعادة إنتاج الأمن الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، والمشروع الأمريكي الهادف إلى احتواء الأزمة وإعادة ترتيب الإقليم، والمشروع العربي الساعي إلى منع الانهيار الإقليمي وإفشال مخططات التهجير، والمشروع الفلسطيني الذي يحاول إنقاذ المجتمع والحفاظ على القضية الوطنية، إلى جانب المشروع الدولي الرامي إلى احتواء واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية والقانونية في العصر الحديث.

ومن هنا، فإن الاتفاق المطروح لا يمثل نهاية للصراع، بل انتقاله من ميدان الحرب العسكرية إلى ميدان الصراع على إدارة "اليوم التالي"، وإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، وتحديد من يحكم غزة، وكيف تُدار، ومن يمتلك الشرعية، ومن يحدد مستقبل السلاح، ومن يرسم شكل النظام الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.

لقد وصلت جميع الأطراف إلى لحظة استنزاف استراتيجي. فإسرائيل، رغم استخدامها قوة عسكرية غير مسبوقة وارتكابها جرائم إبادة وتهجير وتدمير واسعة النطاق، لم تحقق جميع أهدافها الأساسية. فقد دمرت قطاع غزة، لكنها لم تنه المقاومة، ولم تستعد جميع أسراها إلا عبر التفاوض، كما أخفقت في إنتاج بديل سياسي قادر على إدارة القطاع. وفي المقابل، تحولت الحرب إلى عبء سياسي وقانوني واقتصادي متزايد، مع تصاعد العزلة الدولية، واتساع الضغوط الداخلية والخارجية، وتزايد الملاحقات أمام القضاء الدولي.

أما الولايات المتحدة، فلم تتحرك لأنها أصبحت أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وإنما لأنها أدركت أن استمرار الحرب بات يهدد المشروع الأمريكي نفسه. فالحرب المفتوحة تستنزف إسرائيل، وتعرقل مشاريع التطبيع، وتضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتفاقم التوتر مع الحلفاء العرب، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات دولية متزايدة. ولهذا انتقلت من إدارة الحرب إلى إدارة إنهائها، ولكن بما يحافظ على التفوق الإسرائيلي ويمنع انهيار منظومة التحالفات الإقليمية.

وفي الوقت ذاته، تعاملت مصر مع الحرب باعتبارها قضية أمن قومي مباشر. فاستمرار القتال، واحتمالات التهجير، وانهيار غزة، كلها تهديدات تمس الأمن المصري والعربي، ولذلك تجاوز دورها حدود الوساطة التقليدية إلى المساهمة في بلورة تصور للمرحلة الانتقالية يقوم على إدارة فلسطينية وطنية، وإطلاق التعافي المبكر، ومنع الفراغ السياسي والأمني.

وعلى الجانب الفلسطيني، فرضت الكارثة الإنسانية تحولًا مهمًا في ترتيب الأولويات. فلم يعد السؤال الأساسي: كيف تستمر المقاومة؟ بل أصبح: كيف يبقى المجتمع الفلسطيني ويحافظ على وجوده الوطني؟ لقد انتقلت الأولوية من إدارة الحرب إلى حماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على البنية المجتمعية، ومنع استكمال مشروع الإبادة والتهجير. ومن هذا الإدراك جاءت المرونة التي أبدتها الفصائل الفلسطينية تجاه فكرة اللجنة الوطنية الفلسطينية، وإدارة القطاع، والترتيبات الانتقالية، باعتبارها أدوات لإنقاذ المجتمع، لا بدائل عن المشروع الوطني.

غير أن الوصول إلى الاتفاق لا يعني نهاية الأزمة، لأن كل طرف يقرأ النصوص بمنظوره الخاص. فالفلسطينيون يرون الاتفاق مدخلًا لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار واستعادة الوحدة الوطنية، بينما تحاول إسرائيل تحويله إلى وسيلة لاستكمال أهدافها بوسائل سياسية وأمنية، وتنظر إليه الولايات المتحدة باعتباره إطارًا لاحتواء الأزمة، في حين ترى فيه الدول العربية فرصة لمنع انهيار النظام الإقليمي.

ولهذا فإن الاتفاق لا يعكس توافقًا استراتيجيًا، بقدر ما يعكس تقاطعًا مؤقتًا بين ضرورات متعارضة.

ومن هنا يمكن فهم الصمت الإسرائيلي الرسمي. فهذا الصمت لم يكن غيابًا للموقف، بل كان جزءًا من إدارة التفاوض. فحكومة بنيامين نتنياهو تدرك أن رفض الاتفاق بصورة صريحة سيضعها في مواجهة مباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما يعني قبوله الكامل الاعتراف بفشل الحرب في تحقيق أهدافها. ولذلك اختارت سياسة "القبول اللفظي والتعطيل العملي"؛ فبينما تستمر اللقاءات السياسية، تواصل الاغتيالات، وتوسع السيطرة العسكرية، وتفرض وقائع ميدانية جديدة لتحسين شروطها قبل تثبيت أي اتفاق.

وقد كشفت التطورات الأخيرة عن حجم الفجوة بين المواقف الأمريكية والإسرائيلية. فوفق تسريبات إعلامية، طلب الممثل الأعلى لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، خلال اجتماعه مع نتنياهو وقف الغارات على قطاع غزة تمهيدًا لبدء هدنة تمتد أربعة عشر يومًا، تُخصص لانطلاق المرحلة الأولى الخاصة بترتيبات نزع السلاح والانتقال إلى الحكم المدني. غير أن الرد الإسرائيلي جاء واضحًا؛ إذ أكد مسؤولون في رئاسة الحكومة أن إسرائيل لن تنسحب من خطوط انتشارها الحالية، ولن توقف عملياتها العسكرية، وستواصل "إحباط أي تهديد" في قطاع غزة.

كما أعلن نتنياهو صراحة أن إعادة إعمار غزة لن تبدأ قبل نزع سلاح حركة حماس والفصائل كافة، مؤكدًا أن عملية نزع السلاح ستظل أولوية إسرائيلية حتى بعد وقف الحرب، وأن إسرائيل لن تسمح بقيام أي واقع أمني جديد قبل تحقيق هذا الهدف.

وفي المقابل، أكدت حركة حماس، عبر اتصالاتها مع الوسطاء، أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ينسف أسس الاتفاق ويعرقل تنفيذ الجدول الزمني، مطالبة بتدخل مباشر لإلزام إسرائيل بوقف شامل لإطلاق النار باعتباره المدخل الطبيعي لاستكمال بقية الالتزامات.

أما مجلس السلام، فقد أوضح بعد اجتماعه مع نتنياهو أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما وراء "الخط الأصفر" لن يتم إلا بعد اكتمال ترتيبات نزع السلاح، وأن العملية ستشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق، تحت إشراف قوة الاستقرار الدولية ولجنة دولية للتحقق من التنفيذ، مع التأكيد أن نجاح المرحلة الانتقالية يعتمد على التزام جميع الأطراف بالإطار المتفق عليه.

وتكشف هذه التصريحات حجم التباين في تفسير الاتفاق. فالوسطاء يرون أن وقف إطلاق النار هو المدخل الضروري لإنجاح المرحلة الانتقالية، بينما تحاول إسرائيل جعل نزع السلاح شرطًا سابقًا لوقف الحرب، بما يسمح لها بالإبقاء على الضغط العسكري واستخدامه كورقة تفاوضية.

ولا يقل دلالة عن ذلك الانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها. فقد شن وزراء اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، هجومًا واسعًا على خارطة الطريق، معتبرين أنها لا تحقق الرؤية الأمنية الإسرائيلية، ولا تضمن نزعًا كاملًا وفوريًا للسلاح، وتمنح اللجنة الوطنية الفلسطينية دورًا لا تقبل به الحكومة الإسرائيلية، فضلًا عن اعتراضهم على إدخال قوة الاستقرار الدولية قبل تعديل بنود الاتفاق.

وفي المقابل، تكشف الوثائق المسربة أن مجلس السلام لا يعمل فقط على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يقود مشروعًا متكاملًا لمرحلة "اليوم التالي"، يتضمن عشرات المشاريع تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، وإزالة الأنقاض، وإصلاح المستشفيات، وتشغيل الاقتصاد، وإنشاء مناطق اقتصادية وتكنولوجية، وتشكيل قوة أمنية انتقالية، وتأمين اللجنة الوطنية الفلسطينية، ودعم القوة متعددة الجنسيات، إلى جانب ترتيبات إنسانية وصحية وتعليمية، بما يعني أن المرحلة المقبلة تتجاوز إعادة الإعمار إلى إعادة بناء البيئة السياسية والإدارية والأمنية في القطاع.

وهكذا، لم تعد المعركة تدور حول وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل حول من يفرض تفسيره للاتفاق. فالفلسطينيون والوسطاء ينظرون إليه باعتباره مدخلًا لإنهاء الحرب، بينما تتعامل معه إسرائيل باعتباره وسيلة لاستكمال أهدافها الأمنية وإعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يتوافق مع رؤيتها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس نجاح الاتفاق بالكامل ولا انهياره بالكامل، وإنما تنفيذ جزئي وتعطيل تدريجي؛ أي وقف نسبي لإطلاق النار، مع استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب محدود، وتقدم بطيء في إعادة الإعمار، وخلاف دائم حول السلاح والترتيبات الأمنية، مع ضغوط أمريكية متواصلة لمنع انهيار المسار برمته.

لكن المتغير الأهم يتمثل في انتقال مركز الضغوط من الفلسطينيين إلى إسرائيل. فقد أصبحت الكرة، إلى حد كبير، في ملعب إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي رعت المبادرة وقدمتها باعتبارها إنجازًا سياسيًا، وأصبحت مطالبة بالانتقال من دور الوسيط إلى دور الضامن القادر على إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها. فإذا اكتفت واشنطن بإدارة الأزمة، ستواصل حكومة نتنياهو سياسة التعطيل وإعادة التفسير، أما إذا مارست ضغطًا سياسيًا حقيقيًا وربطت التزاماتها تجاه إسرائيل بالتنفيذ، فقد يتحول الاتفاق إلى بداية فعلية لمسار جديد.

إن ما يجري في غزة لا يمثل نهاية الحرب، بل بداية الصراع على نتائجها. فإسرائيل تحاول تحويل ما حققته بالقوة العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة، بينما يحاول الفلسطينيون منع تحويل الكارثة الإنسانية إلى هزيمة وطنية، ويسعى الوسطاء إلى بناء مرحلة انتقالية تمنع الانهيار الكامل، دون أن يمتلكوا حتى الآن أدوات كافية لإجبار إسرائيل على الالتزام الكامل.

ويبقى الدرس الأعمق الذي أفرزته حرب الإبادة الجماعية أن حماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على الوجود الوطني على الأرض، واستعادة وحدة النظام السياسي، وبناء قيادة وطنية جامعة، لم تعد أهدافًا مؤجلة، بل أصبحت شروطًا لبقاء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه. فالمعركة التي بدأت في السابع من أكتوبر لم تعد تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل في ميادين السياسة والشرعية وبناء المؤسسات. ومن ينجح في إدارة هذه المرحلة هو من سيرسم شكل فلسطين التي ستولد بعد الحرب، لا شكل غزة وحدها، بل مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo