انتصار لم يكتمل

إسرائيل أمام أسئلة مصيرية.. إنجازات متحركة ومخاطر ثابتة

جيش الاحتلال الاسرائيلي
جيش الاحتلال الاسرائيلي

أولاً: مؤتمر تفكير مستقبلي

عقد "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي" (INSS)، بالشراكة مع مجموعة "يديعوت أحرونوت"، مؤتمره السنوي للأمن القومي في 27 تموز/يوليو 2026 تحت عنوان "العصر الأمني الجديد لإسرائيل"، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب متعددة الجبهات التي تلته.

وجمع المؤتمر قيادات سياسية وعسكرية وأمنية وباحثين، وقدّم نتائج "مؤشر التهديدات" المستند إلى استطلاع رأي عام وتقديرات أكثر من مائة خبير، إلى جانب تقدير موقف شامل قدّمه تامير هايمان، رئيس المعهد والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان".

يكتسب هذا الحدث أهمية تحليلية لكونه لا يعكس خطاباً رسمياً معلناً فحسب، بل قراءة مؤسسية بحثية-استخباراتية لكيفية إدراك النخبة والجمهور الإسرائيليين لمستقبل أمن الدولة بعد ثلاث سنوات حرب، وهو ما يمنح المؤشرات الواردة فيه قيمة كمصدر لفهم التوجهات الإسرائيلية المقبلة.

ثانياً: أبرز المعطيات

1- مؤشر التهديدات

اعتمدت الدراسة على مزج تقديرات نحو 150 خبيراً وخبيرة مع استطلاع آراء نحو ألف مواطن إسرائيلي حول 14 سيناريو محتملاً، جرى تقييم كل منها من حيث درجة الخطورة، واحتمال الوقوع، وحجم الضرر، ومدى جاهزية الدولة لمواجهته.

2- أربعة أعمدة للأمن القومي

حدد المعهد أربعة أعمدة يرتكز عليها الأمن القومي الإسرائيلي: العلاقات الخارجية، ومناعة الدولة الداخلية، والتفوق التكنولوجي، والقوة العسكرية، مع التأكيد على أن التهديد الواحد قد يصيب أكثر من عمود في آن واحد، وأن الخطر الأكبر يكمن في التقاء التهديدات وتحوّلها إلى "عاصفة كاملة".

3- التهديدات الداخلية أولا

من أبرز نتائج المؤشر أن نسبة القلق من التهديدات الداخلية (97%) فاقت نسبة القلق من التهديدات الخارجية (80-83%)، وفي مقدمة هذه التهديدات: احتمال تحوّل الانقسام الداخلي إلى مواجهة عنيفة، وتراجع الطابع الديمقراطي للدولة، وهو ما يشير إلى إدراك متزايد لدى الإسرائيليين بأن العدو الخارجي قد يوحّد المجتمع، بينما الانقسام الداخلي قد يمنع تشكّل هذه الوحدة أصلاً.

4- تهديد طويل الأمد

تناولت الدراسة ثلاثة مسارات محتملة: الضم دون منح حقوق سياسية متساوية، إقامة دولة فلسطينية، أو التحول إلى دولة ثنائية القومية، معتبرة السيناريو الأخير "الأسوأ" في نظر الإسرائيليين، مع الإشارة إلى أن استمرار الوضع الراهن -في غياب حل سياسي- قد يقود تدريجياً وموضوعياً نحو هذا السيناريو بالذات.

5- تهديدات ديمغرافية واقتصادية

برزت هجرة الكفاءات العلمية والتكنولوجية (بميزان هجرة سلبي يقدَّر بنحو 20 ألف شخص خلال السنوات الأخيرة) وتراجع الإنتاجية كتهديدات متصاعدة الوعي لدى الجمهور، لارتباطهما المباشر بالقدرة الاقتصادية والعسكرية المستقبلية.

6- التهديدات الخارجية: إيران في الصدارة

تصدّر احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً قائمة التهديدات الخارجية، يليه احتمال التعرض لهجوم صاروخي واسع (من إيران وحزب الله وجهات إقليمية أخرى)، واستمرار الحرب لفترة طويلة كتهديد قائم بذاته يستنزف الجيش والاقتصاد والمجتمع.

7. الرهان الأميركي كنقطة الضعف الأخطر

صُنّف تراجع الدعم الأميركي والعزلة الدولية ضمن "التهديدات الاستراتيجية الخطيرة"، لكونهما يمسّان قدرة إسرائيل على الحصول على السلاح والغطاء السياسي والدفاع عنها في المحافل الدولية.

8- صورة ميدانية غير محسومة

في قراءة مركّبة للساحات: تعافي نسبي لقدرات "حماس" في غزة رغم سيطرة إسرائيل على نحو 70% من القطاع دون تقدم تنفيذي حاسم بشأن الحوكمة، وبقاء حزب الله مسلحاً في لبنان رغم الضغوط المتصاعدة عليه، وبرنامج نووي إيراني "مؤجَّل لا منتهٍ" رغم الضربة التي تلقاه.

9- متطلبات هايمان الثلاثة لرؤية أمنية قومية

حدد هايمان ثلاثة شروط: امتلاك رؤية استراتيجية واضحة، والقدرة على الدمج بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، والقدرة على اتخاذ قرارات قد تتعارض مع المزاج الشعبوي إذا خدمت الأمن القومي بعيد المدى.

10. التطبيع كعقيدة أمنية مشروطة

شدّد هايمان على أن الاندماج الإقليمي جزء من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، محذراً من تصوّر خليجي وعربي متنامٍ يرى إسرائيل قوة تسعى لإبقاء المنطقة غير مستقرة، ومقترحاً البدء باتفاقات أمنية تدريجية مع سورية ولبنان وخطوات على المسار الفلسطيني لبناء الثقة.

ثالثاً: التحليل

1. انتقال مركز الخطر من الخارج إلى الداخل: يُعدّ تجاوز القلق من الانقسام الداخلي للقلق من التهديدات الخارجية مؤشراً على تحوّل جوهري في الوعي الأمني الإسرائيلي، إذ لم يعد "العدو" وحده مصدر التهديد الرئيسي، بل بنية الدولة ذاتها ومدى تماسكها الاجتماعي والسياسي، وهو ما يعكس تصدعات لم تندمل منذ أزمة "الإصلاح القضائي" قبل 7 أكتوبر.

2. الاعتراف الضمني بمحدودية الحسم العسكري: رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح ميدانياً، يقر تقدير هايمان بأن الساحات الثلاث الرئيسية (غزة، لبنان، إيران) لم تُحسم استراتيجياً، بل أُجِّلت أو أُديرت دون تحقيق ترتيبات مستقرة، بما يعزز فرضية أن القوة العسكرية "الخام" لم تعد كافية لتحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية دائمة.

3. المعضلة البنيوية حيال القضية الفلسطينية: يبرز تصنيف "الدولة ثنائية القومية" كسيناريو "الأسوأ" في غياب أي بديل سياسي متفق عليه إسرائيلياً، تناقضاً حاداً يضع صنّاع القرار أمام معضلة: الاستمرار في الوضع الراهن يقود -بحسب الدراسة ذاتها- إلى النتيجة التي يخشونها أكثر من غيرها، دون أن تقدم الساحة السياسية الإسرائيلية حلاً بديلاً.

4. مركزية الغطاء الأميركي كنقطة ضعف استراتيجية: تحذير هايمان من الاعتماد على العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب، ودعوته إلى عدم بناء الأمن القومي على "تركيبة سياسية مؤقتة"، يشيان بقلق عميق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من هشاشة الدعم الأميركي على المدى المتوسط والبعيد، خصوصاً مع تراجع التأييد بين الأجيال الشابة والرأي العام الحزبي في الولايات المتحدة.

5. رسالة إلى دول التطبيع: طرح هايمان لصيغة "اتفاقات صغيرة وانتقالية" مع سورية ولبنان، إلى جانب اعترافه بأن دول الخليج تطلب "اتجاهاً واضحاً" لا حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية، يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة بناء مسار التطبيع دون الالتزام بتنازلات جوهرية، وهو ما قد يصطدم مستقبلاً بحدود ما تقبله الأطراف العربية.

رابعاً: خلاصة

يعكس مؤتمر INSS لعام 2026 حالة من "القلق المُدار" داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تفوق عسكري ميداني لا يُنكر، مقابل إدراك متنامٍ بأن هذا التفوق وحده لا ينتج استقراراً استراتيجياً، في ظل تشابك التهديدات الداخلية (الانقسام والديمقراطية والهجرة) مع الخارجية (إيران وحزب الله وحماس) والدولية (تراجع الدعم الأميركي والعزلة). الأخطر في هذه القراءة أنها تأتي من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها، وليس من خصومها، ما يمنحها وزناً تحذيرياً يوجَّه بالدرجة الأولى إلى صنّاع القرار في تل أبيب أنفسهم، وتحديداً إلى ضرورة تحويل "الإنجازات الميدانية" إلى رؤية سياسية متكاملة قبل فوات الفرصة التي أتاحتها هذه الإنجازات، بحسب توصيف هايمان نفسه.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo