حماس على خط ملادينوف وإيران وشبح التهجير يعود

حماس على خط ملادينوف وإيران
حماس على خط ملادينوف وإيران

يشهد ملف قطاع غزة لحظةً تحول، بين ثلاثة مسارات متشابكة أولها مسار التفاوض الداخلي الذي يقوده ممثل مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، ومسار الاستثمار الحمساوي في المحادثات الإيرانية - الأميركية، ومسار إحياء إسرائيلي مفاجئ لملف التهجير. ليعود السؤال حول مستقبل القطاع وصيغة اليوم التالي للحرب.

أوراق ملادينوف: التفاوض المتوتر

منذ أبريل الماضي، قدم ممثل مجلس السلام الدولي نيكولاي ملادينوف ثلاث أوراق متتالية تحمل في مضمونها رؤية مغايرة لما أقرّه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025. وقد بلغ التوتر ذروته حين أقدم ملادينوف في الثاني عشر من يونيو الجاري على سحب ورقة التفاوض التي كانت الأطراف وصفت المباحثات حولها بأنها بلغت "قمة التفاؤل"، ليستبدلها بصياغات جديدة وصفها القياديون الفلسطينيون بـ"المفاجئة والمختلفة".

الخلاف مع حركة "حماس" لا يبدو شكلياً، فالحركة تتمسك بمبدأ التسلسل: لا انتقال إلى المرحلة الثانية إلا بعد تنفيذ المرحلة الأولى كاملةً، في حين تسعى إسرائيل إلى تأجيل استحقاقات الأولى ودمجها مع شروط الثانية، وفي مقدمتها نزع السلاح وحلّ فصائل المقاومة. وهو ما تعدّه "حماس" تفريغاً للاتفاق من مضمونه، ورقةً بعد رقة.

ما يمنح الموقف الإسرائيلي زخمه أن ملادينوف، وفق تقدير المحللين، يحمل في حقيبته رؤية مجلس السلام التي لا تبتعد كثيراً عن الشروط الإسرائيلية الجوهرية. ومع ذلك، فإن مصر التي تستضيف محادثات القاهرة لا تزال تجهد في ردم الهوة، سواء بتقريب وجهات النظر حول ملف السلاح، أو بالضغط لإطلاق اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتمكينها من مباشرة مهامها داخل القطاع.

وكشفت «الخارجية المصرية»، عن لقاء بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وملادينوف، مساء أمس الأربعاء. وشدد عبد العاطي خلال اللقاء على ضرورة استكمال تنفيذ باقي استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي، بما في ذلك مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها من داخل القطاع في أقرب فرصة، ونشر قوة الاستقرار الدولية، ونفاذ المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية، بما يسهم في تثبيت التهدئة وتعزيز الأمن وتوفير البيئة الملائمة لبدء جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

حماس وطهران

في خضم الجمود الذي يخيّم على مسار ملادينوف، تتطلع حركة "حماس" إلى بوابة بديلة لكسر العزلة التفاوضية، وهي المحادثات الإيرانية - الأمريكية الجارية. وقد جاء الاتصال الهاتفي الذي أجراه باسم نعيم، نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في الحركة، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تعبيراً صريحاً عن هذا التوجه؛ إذ كشف عراقجي أن الفريق الإيراني سيثير الملف الفلسطيني في المفاوضات الجارية.

المشجّع على هذا الرهان هو النموذج اللبناني؛ فقد أسهمت المحادثات الإيرانية - الأميركية في الوصول إلى تفاهم على وقف إطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل، وهو ما يغري أوساطاً قيادية في "حماس" بمحاولة استنساخ التجربة على الجبهة الغزّية. غير أن مصادر الحركة نفسها تُقرّ بمحدودية هذا الرهان، إذ تعدّ الولايات المتحدة غزة جبهةً منفصلة، وترفض إدراجها في أجندة التفاوض النووي، في دلالة على أن واشنطن تُمسك بخيوط اللعبة بما يُبقي القطاع خارج هامش المساومة الإيرانية.

الهشاشة الحقيقية في هذا الرهان تكمن في أن إيران نفسها تميّز بين الجبهات؛ فهي دعمت وقف الحرب في لبنان واليمن والعراق انطلاقاً من حسابات تتصل بمرحلة ما بعد اغتيال مرشدها السابق، في حين اندلعت حرب غزة في سياق مختلف وبديناميكيات مستقلة. ويُضاف إلى ذلك أن قيادة المجلس القيادي لـ"حماس" ذاتها غير موحدة حول جدوى هذا المسار، في ظل نصائح وصلت إليها من اجتماعات القاهرة بعدم التعويل على خط المفاوضات الإيراني.

التهجير يعود

لا يمكن فصل استدعاء ملف التهجير فجأةً إلى مجلس الأمن القومي الإسرائيلي عن سياقه السياسي والانتخابي الداخلي. فقد دعا رئيس المجلس الجديد شموئيل بن عزرا إلى اجتماع "طارئ" لبحث مخطط ما وصفه بـ"تشجيع الهجرة الطوعية".

يبدوأن الدافع انتخابي بامتياز؛ إذ يعرف نتنياهو أن التهجير يحظى بتأييد نحو 70 بالمئة من قاعدة حزب "الليكود"، ويعلم أن المعركة الانتخابية القادمة تستدعي إشباع الخطاب اليميني وإعادة استقطاب من ابتعدوا عن مركزه. غير أن إدراج هذا الملف في اجتماع رسمي موثق لمجلس الأمن القومي يمنحه ثقلاً مؤسسياً يتجاوز مجرد الخطاب الانتخابي.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo