المؤشرات السياسية في المنطقة توحي بأن الأيام المقبلة قد تشهد محاولة أمريكية–إقليمية لإعادة فتح ملف غزة، لكن هذه المرة ضمن معادلة مختلفة:
استغلال الزخم العسكري الناتج عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، لفرض ترتيبات جديدة في القطاع تشمل الإدارة المدنية، والتسهيلات الإنسانية، والترتيبات الأمنية… مقابل تصاعد الضغط في ملف سلاح المقاومة.
فواشنطن لا تنظر إلى الحرب على إيران كهدف عسكري بحت، بل كفرصة لإنتاج مكسب سياسي أوسع.
المعضلة بالنسبة للرئيس دونالد ترامب ليست فقط توجيه الضربات لإيران، بل كيف يحول هذه الضربات إلى إنجاز يمكن تسويقه داخليًا وخارجيًا.
وهنا يظهر ملف غزة باعتباره الساحة الأنسب لتقديم ما يمكن وصفه بـ “التوازن الأمريكي”:
حرب في الإقليم من جهة، وخطة استقرار وإعمار في غزة من جهة أخرى.
لكن لماذا قد تعيد واشنطن فتح ملف غزة الآن؟
هناك دافعان رئيسيان يفسران هذا التوجه.
الأول، محاولة تقديم صورة مزدوجة للدور الأمريكي في المنطقة:
قوة عسكرية حاسمة من جهة، وراعية للاستقرار والسلام من جهة أخرى.
ولهذا جاء طرح “مجلس السلام” في واشنطن قبل أسابيع ليجمع بين الحديث عن إعادة الإعمار، والقوة الأمنية الدولية، واللجنة التكنوقراطية لإدارة القطاع، بينما كانت الاستعدادات العسكرية تتجه نحو الضربة ضد إيران.
أما الدافع الثاني، فيرتبط بالرهان على أن إضعاف إيران عسكريًا قد يضيّق هامش المناورة لدى حلفائها في المنطقة.
وبناءً على هذه القراءة، قد ترى واشنطن أن اللحظة مناسبة للضغط باتجاه فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في غزة.
في هذا السياق، يبرز الدور المصري بوصفه الأكثر قدرة على تحريك الملف.
فمصر ترتبط مباشرة بقطاع غزة، وتملك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفلسطينية والإقليمية، كما أنها بعيدة نسبيًا عن نيران المواجهة المباشرة مع إيران.
لكن الوساطة المصرية لن تكون مجرد نقل رسائل.
الأرجح أنها ستسعى إلى إدارة مسار متكامل يشمل تثبيت وقف إطلاق النار، إدخال اللجنة التكنوقراطية، تنظيم المساعدات، وفتح ملف إعادة الإعمار… مع إبقاء قضية السلاح كملف ضغط معقد ومؤجل.
أمام هذا المشهد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: احتواء الحرب في الإقليم، مع تسريع المسار السياسي في غزة.
الثاني: استمرار التصعيد العسكري بشكل محدود، مع زيادة الضغط على ملف سلاح المقاومة.
الثالث: تعثر المسارين معًا، بحيث لا تُحسم الحرب مع إيران ولا يتحقق اختراق سياسي في غزة.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن الأيام القادمة قد تشهد دفعًا أمريكيًا–مصريًا–إقليميًا متزايدًا نحو ترتيبات سياسية وإدارية في غزة… لكن يبقى السؤال الأهم:
هل ستنجح هذه الضغوط في فرض معادلة جديدة على القطاع، أم أن عقدة السلاح ستظل العقبة التي تعطل أي مسار سياسي؟
