مع الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة "تحقيق الاستقرار وإعادة إعمار قطاع غزة" أواخر يناير 2026، عادت للواجهة قضية حقل "غزة مارين" للغاز الطبيعي، في ظل مطالبات بدمجه في عملية الإعمار. لكن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى استنزاف المصدر الطاقوي الفلسطيني الوحيد.
وحذر الخبير الاقتصادي العراقي د. وليد خدوري، أحد أوائل الصحافيين العرب المختصين في رصد أسواق الطاقة وشؤون النفط، من خطورة استخدام حقل "غزة مارين" في مشروع إعمار ضخم قد يستنزف المصدر الطاقوي الوحيد للفلسطينيين.
حقل صغير لمشروع ضخم
وأشار خدوري إلى أن صحيفة "معاريف" الإسرائيلية نشرت في 11 فبراير الجاري مقالاً عن إمكانية استخدام حقل الغاز الفلسطيني في عملية إعادة الإعمار، لكن المقال لم يذكر أن "غزة مارين" ليس فقط الحقل الوحيد المتوفر للفلسطينيين، بل هو أيضاً من أصغر حقول الغاز في جنوب شرقي البحر المتوسط.
ويقدر احتياطي الحقل بنحو 1.4 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وهو رقم ضئيل مقارنة بالاحتياطي الإسرائيلي الذي يتجاوز تريليون متر مكعب وفق تقديرات عام 2024.
وتساءل الخبير الاقتصادي: "لماذا لا تمد إسرائيل القطاع بالاحتياطي الغازي ذاته الذي تملكه، بدلاً من المطالبة باستخدام المصدر الفلسطيني المحدود؟"
تاريخ من التعطيل الإسرائيلي
وأوضح خدوري أن حقل "غزة مارين" اكتُشف عام 1999 من قبل كونسورتيوم ضم شركة "بريتش غاز" وشركة "سي سي للنفط والغاز" الفلسطينية، لكنه لم يُطوَّر حتى اليوم رغم مرور ربع قرن.
وأشار إلى أن الحكومات الإسرائيلية عطّلت المشروع مراراً عبر فرض شروط تعجيزية لم يُتفق عليها مسبقاً، منها تزويد السوق الإسرائيلية بأسعار مخفضة، وإنشاء صندوق مالي للريع لا يمكن السحب منه دون موافقة إسرائيلية، وهو ما رفضته السلطة الفلسطينية.
وبسبب هذه العوائق، اضطرت "بريتش غاز" ثم "شل" للانسحاب من المشروع. وفي 2013، فوّضت السلطة الفلسطينية الشركة المصرية العامة للحفر البحري البترولي وشركة "سي سي" للتطوير، لكن العمل تأخر بسبب الحروب المتتالية على غزة.
سابقة استنزاف "ماري-ب"
ولفت المحلل النفطي إلى أن التجربة السابقة مع حقل "ماري-ب" المحاذي للسواحل الفلسطينية تشكل تحذيراً صارخاً، حيث استنزفت إسرائيل هذا الحقل لتزويد سوقها الداخلية بنحو 60% من حاجتها للغاز قبل اكتشافاتها الضخمة، مما جعل احتياطاته قابلة للنضوب وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
المستقبل الطاقوي للدولة الفلسطينية
وطرح خدوري السؤال الأهم: "كيف ستستطيع الدولة الفلسطينية المنشودة، التي وافقت عليها الغالبية الساحقة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، توفير الطاقة لمناطقها (غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية) بعد استنزاف مصدرها الطاقوي الوحيد؟"
ويقع حقل "غزة مارين" على بعد 36 كيلومتراً من ساحل غزة وعلى عمق 28 متراً تحت سطح البحر، وهو مقسوم إلى قسمين؛ أحدهما في منتصف بحر غزة والآخر "حدودي" يميل باتجاه المياه الإسرائيلية.
وتملك السلطة الفلسطينية الحقل وفق اتفاقية أوسلو التي تمنحها مسؤولية الاستكشاف والإنتاج، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والعسكرية البحرية.
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن قضية تطوير حقل "غزة مارين" تبقى معلقة بين الحاجة العاجلة لإعادة إعمار القطاع والضرورة الاستراتيجية للحفاظ على المصدر الطاقوي الوحيد للدولة الفلسطينية المستقبلية، محذراً من استخدام هذا الحقل المحدود في بناء "ريفييرا" استهلاكية قد تستنزفه بسرعة على حساب الأمن الطاقوي الفلسطيني على المدى الطويل.
