تقف غزة اليوم على مفترق طرق تاريخي. فبعد سنوات من الحرب والدمار، تلوح في الأفق بوادر أمل جديدة وتعقيدات قوية.
تستعد اللجنة الوطنية لإدارة غزة لإطلاق أكبر ورشة عمل لإغاثة القطاع وإعادة بنائه، معتمدة على نتائج اجتماع واشنطن المرتقب.
رهان على الدعم الدولي
في التاسع عشر من فبراير 2026، سيعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أول اجتماع رسمي لمجلس السلام في واشنطن. هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء دبلوماسي عادي، بل يمثل نقطة انطلاق لأضخم عملية إعادة إعمار شهدتها المنطقة.
من المتوقع أن تحضر وفود من 20 دولة على الأقل، بعدما انضمت إلى المجلس قوى إقليمية من الشرق الأوسط ودول صاعدة كإندونيسيا، بينما أظهرت القوى الغربية التقليدية حذراً أكبر. وفي خطوة لافتة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انضمام إسرائيل إلى المجلس خلال زيارته لواشنطن.
التمويل المتوقع - مليارات الدولارات
وتوقعت اللجنة الوطنية توفير دعم مالي مبدئي يتراوح بين 2 إلى 4 مليارات دولار في هذا الاجتماع. هذا المبلغ، رغم ضخامته، يمثل فقط البداية لعملية إعمار قد تتطلب عشرات المليارات.
وفي تصريح لافت، وصف مسؤول أميركي كبير العروض المالية بأنها "سخية"، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تطلب أي تبرعات بصورة صريحة، بل جاءت هذه العروض طواعية من الدول المشاركة. هذا يعكس قناعة دولية بأهمية دعم الاستقرار في غزة.
سيعلن ترمب خلال الاجتماع عن صندوق بمليارات الدولارات لغزة، يشمل مساهمات مالية من الأعضاء المشاركين في المجلس. كما سيفصل خططاً تتعلق بقوة تحقيق الاستقرار الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة للقطاع الفلسطيني.
التنسيق المسبق مع اللجنة الوطنية
أعد المكتب التنفيذي لمجلس السلام خطط الإعمار بناءً على طلب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة نيكولاي ميلادينوف. وتلقت اللجنة الوطنية وعوداً منهما بتطبيق هذه الخطط.
شهد الأسبوع الماضي سلسلة مكثفة من اللقاءات والمشاورات بين رئيس اللجنة علي شعث وأعضاء مجلس السلام، خصوصاً ستيف ويتكوف وتوني بلير وميلادينوف. تركزت النقاشات حول تسلم اللجنة المهام الحكومية في غزة وتمكينها وخططها للمئة يوم الأولى.
من المتوقع مشاركة علي شعث في الاجتماع المقرر بواشنطن، إما بشكل شخصي أو عبر توجيه كلمة متلفزة. ومع ذلك، فإنه لم يتلق حتى صباح الجمعة دعوة رسمية لحضور الاجتماع، ما يعكس بعض الغموض في ترتيبات المشاركة.
خطة المئة يوم الأولى - الإغاثة والتعافي
تركز خطة اللجنة في مرحلتها الأولى على إصلاح وترميم شبكات المياه والمجاري والكهرباء والاتصالات والإنترنت. هذه البنية التحتية الأساسية دمرت بشكل شبه كامل خلال سنوات الحرب، وإعادة تأهيلها ضرورية لأي حياة طبيعية في القطاع.
تشمل الخطة العمل على ترميم محطة الكهرباء وتشغيلها تدريجياً، وهي خطوة حيوية لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المستشفيات والمرافق الحيوية. كما تخطط اللجنة لتشغيل المخابز ومحطات المياه لتوفير الاحتياجات اليومية الأساسية.
في خطوة تقنية مهمة، تسعى اللجنة لإدخال الأجهزة والمعدات اللازمة لتشغيل الجيل الرابع (4G) من الاتصالات الخليوية بعد استكمال الموافقات الإسرائيلية. هذا سيحدث نقلة نوعية في قدرة السكان على التواصل والوصول إلى المعلومات.
الإسكان الطارئ - البيوت الجاهزة
تعد قضية الإسكان من أولويات اللجنة القصوى. فقد أعدت قائمة بمطالب تتضمن إدخال 3,500 كرفان (بيوت جاهزة متنقلة مجهزة للسكن) تبرعت بها قطر، وباتت جاهزة في الجانب المصري من معبر رفح.
لكن الخطة الأكثر طموحاً تتضمن إدخال 200 ألف كرفان خلال الشهور الستة الأولى. هذا الاقتراح حظي بترحيب اللجنة التنفيذية لمجلس السلام، وسيتم توفير هذه الكرفانات من مصادر متعددة.
تخطط تركيا للتبرع بعشرات الآلاف من الكرفانات المجهزة التي استُخدمت سابقاً لتسكين العائلات التركية المتضررة من الزلزال الأخير. من المتوقع أن يبحث لقاء شعث مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، تفاصيل هذه المسألة.
كما سيتم السعي لتوريد آلاف الكرفانات من مصانع وشركات في مصر ودول أخرى، بعضها مزودة بمولدات كهربائية. وفي خطوة غير متوقعة، تشمل الخطة شراء كرفانات من شركات إسرائيلية، بهدف ضمان سرعة دخولها بتكلفة أقل للنقل وفحصها أمنياً، مع إمكانية استخدام هذه الشركات للضغط على الحكومة الإسرائيلية لتسريع التوريد.
المساعدات المالية المباشرة
تخطط اللجنة لتوزيع ما يتراوح بين 300 إلى 500 دولار لمئتي ألف عائلة غزاوية. هذا البرنامج يهدف إلى توفير دعم فوري للأسر الأكثر تضرراً، وتمكينها من تلبية احتياجاتها العاجلة.
لكن اللجنة تنتظر توفير المبلغ المالي اللازم في اجتماع واشنطن قبل البدء بالتوزيع. هذا يعكس الارتباط الوثيق بين نجاح الاجتماع وقدرة اللجنة على تنفيذ خططها على الأرض.
الخدمات الصحية والتعليمية
على صعيد الخدمات الصحية، تخطط اللجنة لإصلاح وترميم المستشفيات والمراكز الطبية، مع إدخال كميات كافية من المساعدات الدوائية ومياه الشرب النقية، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.
أما في القطاع التعليمي، فتسعى اللجنة لترميم المدارس والجامعات الصالحة للاستخدام فوراً، مع بناء مدارس جديدة مؤقتة وتزويدها بكل ما يلزم من أثاث ومقاعد. كما تشمل الخطة توفير الكتب والمستلزمات الدراسية، وتأهيل المدرسين والطواقم الإدارية.
تخطط اللجنة أيضاً لترميم وإعادة تأهيل 60 ألف وحدة سكنية قابلة للإصلاح بتكلفة أولية 20 مليون دولار، لتصبح صالحة للسكن وتخفف من أزمة الإسكان الحادة.
الركام والطرق
رغم عدم وصول اللجنة إلى غزة بعد، بدأت بالتنسيق مع الهيئة العربية لإعمار غزة وجهات دولية، تحضيرات لتهيئة الظروف على الأرض. تشمل هذه التحضيرات تقييم حجم الركام والفترة الزمنية لإزالته والتقديرات المالية للتكلفة.
في حل إبداعي للتعامل مع ملايين الأطنان من الركام، تخطط اللجنة لاستخدامه في طمر مساحة من البحر لتضاف إلى مساحة غزة، مع الاستعانة بخبراء دوليين. هذا سيحول مشكلة الركام إلى فرصة لتوسيع المساحة الجغرافية المتاحة للبناء.
تجري عملية التقييم بمعاينة مباشرة من طواقم فنية، وليس فقط بالاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية التي لا تعطي صورة دقيقة. كما تخطط اللجنة لبدء تهيئة الطرق وفتح الشوارع الرئيسية بإزالة الركام، مع إدخال معدات ثقيلة للجنة ولعمل البلديات والدفاع المدني.
آلاف الجنود للحفاظ على الأمن
يعد نشر قوة الاستقرار الدولية جزءاً أساسياً من المرحلة التالية من خطة ترمب لغزة. سيعلن الرئيس الأميركي أن دولاً عدة تعتزم إشراك آلاف الجنود في هذه القوة، التي من المتوقع نشرها خلال الأشهر المقبلة.
تخطط اللجنة الوطنية لإنشاء قناة للتنسيق مع القوات الدولية لمراقبة ومتابعة الاستقرار. كما تعمل على تأهيل وتدريب القوى الشرطية المحلية، وتزويدها بالمعدات والعربات اللازمة، لممارسة مهامها في حفظ الأمن والنظام وتطبيق القانون.
التحدي الأكبر - نزع سلاح حماس
يتمثل التحدي الرئيس حالياً في نزع سلاح حماس التي ترفض هذا الأمر بشكل قاطع. هذه القضية تشكل حجر الزاوية في أي خطة للاستقرار طويل الأمد في القطاع.
بموجب خطة ترمب، سيمنح أعضاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي ونزع سلاحهم عفواً عاماً. كما ستؤمن ممرات لأعضاء الحركة الراغبين في مغادرة غزة إلى دول أخرى، في محاولة لإيجاد مخرج سلمي للأزمة.
تنص المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار على مغادرة حماس الحكم كلياً في غزة. هذا يضع اللجنة الوطنية أمام تحدي كبير في التعامل مع الموظفين العموميين في حكومة حماس وضمان انتقال سلس للسلطة.
تنسيق مستمر مع رام الله
يجري علي شعث اتصالات ومشاورات دائمة مع قيادة السلطة الفلسطينية. لديه قناة اتصال مفتوحة مع الرئيس محمود عباس ونائبه حسين الشيخ بهدف التنسيق في كافة القضايا.
يؤكد أعضاء في اللجنة أن اللجنة الوطنية لا تنافس أحداً، ولن تكون بديلاً لأي جهة فلسطينية، بل تتكامل بالأدوار والمسؤوليات مع الحكومة والكل الفلسطيني لخدمة 2.4 مليون فلسطيني.
تسعى اللجنة إلى التأكيد على أن مهامها خدمية إدارية تنظيمية ذات طابع وطني وليس سياسياً. هذا التموضع يهدف إلى تقليل المخاوف من أن تتحول اللجنة إلى كيان سياسي منافس.
التنسيق مع الأونروا
يجري شعث مباحثات مع الأمم المتحدة ومفوض الأونروا فيليب لازاريني لتنسيق العمل في كافة المجالات. الأونروا مسؤولة عن إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتنسيق العمل معها ضروري لنجاح أي خطة إعمار.
العلاقة مع الفصائل
تقول مصادر مطلعة إن اللجنة لم تعقد لقاءات مع الفصائل الفلسطينية حتى الآن، لكن لديها خطة للتنسيق مع كل الأطراف، بما فيها الفصائل في غزة، لتسهيل المهام وإنجاح عمل اللجنة وتجاوز أي عقبات أو مشاكل.
هذا التأخر في التواصل مع الفصائل قد يعكس حساسية الموضوع، خاصة في ظل رفض حماس لنزع السلاح والتخلي عن الحكم. التنسيق مع الفصائل سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة اللجنة على العمل في بيئة سياسية معقدة.
الخروقات الإسرائيلية والقيود الأمنية
شدد شعث في مباحثاته على ضرورة تهيئة الظروف والمناخ الملائم للاستقرار في غزة. وحذر من أن الفشل في تلبية ما تتطلبه خطط اللجنة قد ينعكس سلباً على التعاطي الشعبي في غزة مع اللجنة ومبادرة الرئيس ترمب.
طالبت اللجنة بوقف الخروقات الإسرائيلية وإدخال وتوسيع آلية عمل معبر رفح بضمان زيادة أعداد المسافرين والعائدين، وزيادة إدخال المساعدات والبضائع التجارية، وتوسيع قائمة المواد المسموح بإدخالها إلى غزة.
وجود قوات الاحتلال الإسرائيلية والقيود المفروضة على القطاع واستمرار الخروقات يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه اللجنة. فبدون انسحاب إسرائيلي كامل من الحدود والمعابر، ستظل قدرة اللجنة على العمل محدودة.
تلقت اللجنة تطمينات من مجلس السلام وجهات دولية لتهيئة الأوضاع الميدانية للعمل بدون عقبات أو خروقات إسرائيلية، وصولاً إلى العمل بحرية في كافة مناطق القطاع، وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
التحديات المالية
رغم الوعود التي قدمها ممثلو الإدارة الأميركية، تبقى التحديات المالية وقدرة مجلس السلام على تأمين الاحتياجات اللازمة لتنفيذ الخطة من أبرز الهواجس. فالمبالغ المعلنة، رغم ضخامتها، قد لا تكون كافية لمشروع بهذا الحجم.
ويطالب شعث بسرعة توفير دعم الموازنة المالية لتنفيذ خطط اللجنة. وقال في اجتماع مع مجلس السلام إنه "حان وقت العمل الجاد لإعادة الحياة والأمل لغزة بإطلاق ورشة عمل مفتوحة دائمة، تبدأ بالإغاثة والتعافي ولا تنتهي من دون إعادة البناء والإعمار".
قضية الموظفين العموميين
تمثل قضية الموظفين العموميين في حكومة حماس أحد التحديات الداخلية الكبرى. أكدت مصادر مطلعة أن اللجنة لن تفصل أي موظف ولن تتخذ أي إجراءات تعسفية بحق العاملين.
سيتم إحالة أعداد من الموظفين العموميين في غزة إلى التقاعد ضمن برنامج مصمم لحفظ حقوقهم. واللجنة ملتزمة بالعمل مع الموظفين الحاليين، والاستعانة بموظفين من السلطة الفلسطينية عند الحاجة، بعد إجراء عملية تقييم شاملة.
هذه السياسة المتوازنة تهدف إلى تجنب خلق أزمة اجتماعية واقتصادية جديدة، لكنها تتطلب موارد مالية ضخمة لتوفير رواتب التقاعد والتعويضات.
خطر الإفشال
تبدو اللجنة قلقة من محاولات إفشال عملها عبر قيود وإجراءات تعطيل إسرائيلية، في حال غاب التدخل الدولي الكافي ودعم مجلس السلام. هذا القلق له ما يبرره في ظل التاريخ الطويل من العراقيل الإسرائيلية لأي مشاريع تنموية في غزة.
شددت المصادر على أن العقبات والتحديات هائلة جداً، وتتطلب دعم القيادة الفلسطينية بكل مكوناتها، ومساهمة كل مواطن لعبور المرحلة الأصعب. اللجنة تريد أن تكون واقعية أمام الصعوبات الجمة، ولا ترغب في رفع سقف التوقعات، لكنها تصر على العمل والصبر وتحقيق النجاح.
طموحات ومخاوف
أثار ترمب مخاوف من أن يحاول مجلس السلام حل نزاعات أخرى حول العالم وأن ينافس الأمم المتحدة. لكن المسؤولين الأميركيين أكدوا أن اجتماع الأسبوع المقبل سيركز فقط على غزة.
قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن مجلس السلام أنشئ بقرار أممي ولا يشكل بديلاً عن الأمم المتحدة، مؤكداً أن مهمته الحالية تتركز حصراً على إدارة المرحلتين الثانية والثالثة من الخطة الخاصة بغزة.
ستتضمن اجتماعات مجلس السلام تقارير مفصلة عن عمل اللجنة الوطنية، التي شكلت لتولي الإدارة المدنية اليومية للقطاع. كما ستتناول تحديثات أخرى المساعدات الإنسانية ومسألة الشرطة في القطاع.
الموقف الدولي المتباين
بينما انضمت قوى إقليمية في الشرق الأوسط ودول صاعدة كإندونيسيا إلى المجلس، كانت القوى العالمية وحلفاء الولايات المتحدة الغربيون التقليديون أكثر حذراً. هذا الحذر يعكس قلقاً من الدور المستقبلي للمجلس ومدى التزامه بالقانون الدولي.
انضمام إسرائيل إلى المجلس، كما أعلن نتنياهو، يضيف بعداً آخر للمعادلة. فوجود إسرائيل كعضو قد يمنحها نفوذاً في القرارات المتعلقة بإعمار غزة، مما يثير تساؤلات حول استقلالية المجلس وقدرته على اتخاذ قرارات منصفة.
بين الأمل والحذر
تقف خطة إعمار غزة على مفترق طرق بين الأمل والواقع. فالوعود المالية والخطط الطموحة تبعث على التفاؤل، لكن التحديات الجسيمة على الأرض تستدعي الحذر وعدم المبالغة في التوقعات.
نجاح اللجنة الوطنية يعتمد على عدة عوامل حاسمة: التزام المجتمع الدولي بتوفير التمويل اللازم، وقف الخروقات الإسرائيلية وضمان حرية العمل، نزع سلاح حماس وتسليم الحكم، الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني، وتوفير الأمن والاستقرار عبر القوات الدولية والشرطة المحلية.
اجتماع واشنطن في 19 فبراير سيكون اختباراً حقيقياً لجدية المجتمع الدولي في دعم إعمار غزة. ما سيعلن من مبالغ وخطط سيحدد إلى حد كبير مصير المشروع الطموح لإعادة الحياة إلى القطاع المنكوب.
يبقى 2 مليون فلسطيني في غزة ينتظرون تحول الوعود إلى واقع ملموس. هم يحتاجون إلى أفعال لا أقوال، إلى مشاريع على الأرض لا خطط على الورق.
