حين أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء السبت عن سفر عاجل إلى واشنطن، قبل أسبوعين من الموعد المقرر أصلاً، فتحت الصحف العبرية الكبرى ملفاتها ووجّه كتّابها ومحللوها أسئلة مصيرية حول طبيعة هذه الزيارة وأهدافها الحقيقية. فماذا قالت تلك الأقلام التي تُعدّ المرآة الأوفى لانقسام النخبة الإسرائيلية في لحظة بالغة الخطورة؟
بين الفجوات والاتفاق
كتب داني زكان في صحيفة اسرائيل اليوم المقرّبة من نتنياهو، مقالاً بعنوان "قبيل لقاء ترامب–نتنياهو: هذه خطوط إسرائيل الحمراء"، سعى فيه إلى رسم خريطة دقيقة لمناطق الوفاق والخلاف بين القدس وواشنطن.
يرى زكان أن "الصورة الحقيقية تقع في المنتصف" بين من يقولون إن العلاقة بين الرجلين لا تتّسع لإدخال دبوس بينهما، ومن يرون أن الخلافات عميقة ومقلقة. ويستشهد الكاتب بسابقتين ناجحتين لتضييق الفجوات عقب لقاءات ترامب-نتنياهو: الأولى ما قبل الحرب مع إيران، التي تحوّل فيها ترامب من المتردد إلى المشارك في الهجوم على منشأة فوردو النووية. والثانية قبيل إعلان "خطة ترامب" لغزة، حين أُضيف بند الإصلاحات كشرط للسلطة الفلسطينية.
ويُشير زكان بوضوح إلى أن محور الخلاف الأساسي لا يقع بين نتنياهو وترامب شخصياً، بل بين نتنياهو وفريقَي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ويلفت إلى أن ملفَّي إيران وغزة معاً سيكونان على طاولة اللقاء.
على صعيد نقاط الاتفاق، يُعدّد زكان جملة من المرتكزات المشتركة: أن النظام الإيراني هو جذر المشكلات الإقليمية، وأن اتفاق 2015 (JCPOA) كان فاشلاً، وضرورة منع التخصيب على الأراضي الإيرانية، وفرض رقابة دولية مفتوحة. أما نقاط الخلاف فتشمل: جدوى التفاوض مع طهران أصلاً، وطول أمد المفاوضات (إسرائيل تريد إنذاراً نهائياً قصيراً وواشنطن أكثر مرونة)، ومسألة إسقاط النظام مقابل مجرد إضعافه، فضلاً عن رفض إسرائيل لأي تدخل خليجي أو تركي في الملف.
الزيارة المفاجئة والتساؤلات الكبرى
وصفت صحيفة هآرتس المعارضة، اليسارية، إعلانَ الزيارة بأنه "جاء مفاجئاً وأثار تساؤلات واسعة" حول أهدافها الحقيقية. وذهبت الصحيفة إلى أن ثمة احتمالين رئيسيين يتقابلان: إما أن نتنياهو يسعى لإقناع ترامب باتخاذ خطوات عسكرية ضد إيران، وإما أن الأمر لا يعدو كونه تنسيقاً استراتيجياً.
وكشفت هآرتس أن "نقاط الحوار التي وُزّعت على عدد محدود من الصحفيين المقربين تُشير إلى أن نتنياهو يسعى لإقناع ترامب بمهاجمة إيران"، غير أنها نبّهت في الوقت ذاته إلى أن تصريحات سابقة لنتنياهو كشفت معارضته لأي هجوم محدود "لأسباب عملية تتعلق بالانتشار الدفاعي الأميركي وخشية ألا يحقق تغييرات جوهرية في النظام".
وأضافت الصحيفة بعداً سياسياً بالغ الدلالة، إذ أشارت إلى أن زيارة نتنياهو قد تستهدف أيضاً تجنّب "مؤتمر مجلس السلام" المزمع عقده في واشنطن في 19 فبراير، حيث قد يجد نتنياهو نفسه أمام خيارٍ مر: إما مواجهة ترامب علناً، وإما قبول مبادرات تركية وقطرية بشأن غزة لا يريدها.
ولم تُفوّت هآرتس الإشارة إلى التوترات داخلية في محيط البيت الأبيض، إذ كشفت أن العلاقة مع كوشنر وويتكوف تشهد "توترات سابقة". وخلصت الصحيفة إلى أن "إسرائيل تلعب حالياً دوراً ثانوياً في الملف الإيراني، تركّز فيه على التأثير على خيارات واشنطن لا على أن تكون الجهة المقررة للتحرك".
الاستعجال خوفاً من المفاجآت
منحت يديعوت أحرونوت، الصحيفة الأوسع انتشاراً في إسرائيل، مساحة تحليلية واسعة لفهم ما وصفته بـ"الزيارة المُستعجلة". وقالت الصحيفة صراحةً إن تقديم موعد الزيارة أسبوعين "يعكس مستوى الاستعجال والقلق في إسرائيل إزاء المسار الذي تتجه إليه المفاوضات مع طهران".
وبحسب الصحيفة، فإن نتنياهو يحمل مطالب محددة: تقصير أمد المفاوضات قدر الإمكان ومنع كسب الوقت الإيراني، والوصول إلى "صفر تخصيب" و"صفر يورانيوم مخصب فوق مستوى 4% داخل إيران"، إلى جانب رقابة مكثفة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبند يقيّد مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية.
على صعيد ملف غزة، كشفت يديعوت عن بُعد آخر: فنتنياهو "يخشى الانجرار إلى عملية دبلوماسية تسمح بإعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس"، مؤكدةً أن "موقف إسرائيل ثابت: لا إعادة إعمار قبل نزع السلاح والتجريد الكامل من غزة".
وعن أسلوب اللقاء، كشفت الصحيفة أن القمة ستُعقد "خلف أبواب موصدة بعيداً عن الكاميرات" في خروج لافت عن اللقاءات السابقة، ورجّح بعض المحللين أن ذلك مرتبط بـ"خلافات متكررة بين الرجلين". كما كشفت عن قرار استثنائي بإبعاد قائد سلاح الجو عن الوفد "خشية أن يُنظر إليه على أنه محاولة للتصعيد".
"لا أحد يعرف حقاً"
في مقاربة أكثر قتامة وواقعية، عبّرت معاريف عن "حالة عدم يقين عميق" داخل إسرائيل، كاتبةً: "حتى الآن لا أحد في إسرائيل يعرف إلى أين يتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في القضية الإيرانية". وتساءلت: "هل تردّد وحاول النزول عن الشجرة التي تسلّقها؟ أم أن الانتظار متعمّد للحفاظ على خطة خداع ضد الإيرانيين؟".
وفي قراءة للمشهد العسكري، حذّرت معاريف من أن إيران باتت تمتلك قرابة 1800 صاروخ وما بين 60 و80 منصة إطلاق، ونقلت عن مصادرها قولها إن "إسرائيل تدرك أن الفرصة المتاحة الآن هي حدث يقع مرة كل خمسين سنة". وخلصت إلى أن "القرار بيد رئيس الولايات المتحدة. ماذا سيقرر؟ في الوقت الحالي لا يعرف أحد".
"الخط الأخير"
لم تبقَ قنوات البث العبرية خارج المشهد التحليلي؛ فقد وصفت القناة 12 الإسرائيلية التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج بأنها "الخط الأخير" في بناء القوة استعداداً لهجوم محتمل على إيران، فيما أكدت أن اللقاء "ذو تداعيات مصيرية" على إسرائيل. في المقابل، أبدت القناة 13 قدراً من التشكيك، إذ نقلت تساؤل المؤسسة الأمنية "عما إن كانت ضربة جوية ستحقق فعلاً الأهداف الاستراتيجية التي يعرضها نتنياهو"، في إشارة إلى أن الجيش يرى أن إيران ستصل إلى ألفي صاروخ خلال أشهر.
إنذار وجودي
نقلت صحيفة جيروسالم بوست الناطقة بالإنجليزية عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أنهم أبلغوا نظراءهم الأمريكيين بأن "برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية يمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل"، وأن عدم حسمه "قد يدفع تل أبيب للتحرك العسكري بشكل مستقل". وكشفت عن قلق إسرائيلي من احتمال اعتماد واشنطن على "ضربات محدودة تُبقي القدرات الحيوية الإيرانية سليمة".
مواجهة المجهول
يخرج المتابع للصحافة العبرية بصورة مركّبة وبالغة التناقض: فبينما تنحو صحيفة قريبة من الحكومة كـيسرائيل هيوم نحو الاطمئنان النسبي مؤكدةً إمكانية تضييق الفجوات، تنزع صحف المعارضة كـهآرتس إلى استجواب نوايا الزيارة وإبراز أبعادها السياسية الداخلية. أما يديعوت أحرونوت ومعاريف فتقعان في الوسط، تنتقلان بين استيعاب الحجم الحقيقي للقلق الإسرائيلي وإدراك حدود تأثير إسرائيل على قرار ترامب الأخير.
والقاسم المشترك بين هذه الأقلام جميعها، رغم تبايناتها، هو الإقرار الضمني بأن إسرائيل تجلس اليوم في المقعد الخلفي: تُقدّم المعلومات الاستخباراتية، وترسم الخطوط الحمراء، وتُطالب وتُلوّح، لكن القرار النهائي حول إيران والملف النووي بات في يد شخص واحد في البيت الأبيض — شخص، كما تصفه معاريف ببلاغة تحريرية لافتة، "لا يعرف أحد حقاً كيف يتنبأ بقراراته".
