استراتيجية الإبادة الصحية

تقدير موقف: عندما يتحول القطاع الصحي في غزة إلى مقبرة مفتوحة

أزمة القطاع الصحي
أزمة القطاع الصحي

أولاً: المشهد العام

يواجه القطاع الصحي في غزة انهياراً كاملاً غير مسبوق، ليس كنتيجة عرضية للحرب، بل كهدف استراتيجي ممنهج ضمن سياسة طويلة الأمد لتقويض مقومات الحياة الفلسطينية. منذ أكتوبر 2023، تحوّل ما كان حصاراً بيولوجياً بطيئاً إلى إبادة صحية سريعة ومباشرة، في إطار ما يمكن وصفه بـ"بيئة الإبادة الجماعية" التي تستهدف تفكيك المنظومات الحافظة للحياة.

ثانياً: الخلفية التاريخية

1- ما قبل 2023: حصار بيولوجي ممنهج

  • الحصار المزمن: عقود من تقييد الحركة والبضائع والمستلزمات الطبية
  • مسيرة العودة الكبرى (2018-2019):
    • أكثر من 35,000 إصابة بالذخيرة الحية
    • مئات حالات البتر بسبب نقص المستلزمات الجراحية
    • تجسيد مبكر لمفهوم "تفتيت الأمة عبر تفتيت الجسد"

2- الاستراتيجية طويلة المدى

  • جعل الحياة الفلسطينية غير قابلة للتعافي
  • خلق حالة صحية لا يمكن إغاثتها
  • التدمير التدريجي للبنية التحتية الطبية

ثالثاً: الإبادة المباشرة (أكتوبر 2023 - مايو 2025)

الأرقام الصادمة:

  • الكوادر الطبية: مقتل أكثر من 1,400 من الطواقم الطبية
  • الهجمات: أكثر من 700 هجوم على منشآت الرعاية الصحية
  • السعة الاستيعابية: أقل من 1,800 سرير لأكثر من 2 مليون فلسطيني

رابعاً: آليات التقويض الصحي

    1. الحرب البيولوجية
  • التجويع المتعمد
  • نشر العدوى (تحذيرات من أوبئة: التهاب الكبد أ، شلل الأطفال، اليرقان)
  • ترك الجرحى دون علاج

2- الدمار البيئي

  • تدمير محطات الصرف الصحي وتحلية المياه
  • إغراق الأحياء بالنفايات
  • تلويث المياه الجوفية
  • إحراق الأراضي الزراعية
  • تحويل الهواء والماء والتربة إلى أسلحة

3- القضاء على الإنتاج الغذائي

  • استهداف البساتين والمنشآت الزراعية
  • تدمير شبكات الري
  • القضاء على مقومات الأمن الغذائي

4 - الواقع الطبي الكارثي

  • خدمات شبه معدومة: العمليات الجراحية، غسيل الكلى، علاج السرطان، رعاية حديثي الولادة
  • نقص حاد: الكهرباء، المضادات الحيوية، التخدير، مسكنات الألم
  • عمليات بتر بلا مخدر
  • الجروح تتحول إلى نخر
  • سوء تغذية متفاقم

خامساً: التحليل الاستراتيجي

الأهداف الإسرائيلية:

  1. تفكيك المنظومة الصحية بالكامل- ليس كضرر جانبي بل كهدف رئيسي.
  2. القضاء على القدرة على التعافي -منع أي إمكانية للنهوض مستقبلاً
  3. خلق معاناة دائمة -حتى للناجين من القصف المباشر
  4. محو الذاكرة المؤسسية - بقتل الأطباء وتدمير المؤسسات

المنطق الاستعماري:

  • ليس انهياراً بل تنفيذ مخطط للقضاء على مقومات الحياة
  • النيل من الأجساد كوسيلة لإخضاع الشعب
  • الحرمان من حق التداوي= الحرمان من حق الحياة
  • تحويل الحياة اليومية إلى فعل مميت: التنفس، الشرب، الأكل، الولادة

سادساً: الإفلات من العقاب

غياب المساءلة الدولية:

  • استمرار الهجمات دون عقوبات فعلية
  • عدم تفعيل آليات الحماية الدولية
  • ضعف استجابة المجتمع الدولي
  • غياب التوصيف الدقيق للجريمة

الثغرات القانونية:

  • عدم اعتماد "تقويض الصحة" كمصطلح قانوني رسمي
  • عدم محاسبة العنف البنيوي التاريخي
  • ثغرات في القانون الدولي الإنساني تسمح بتبرير الاعتداءات

سابعاً: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول

  • وقف إطلاق نار هش
  • إدخال محدود للمساعدات الطبية
  • عودة جزئية لبعض الخدمات الأساسية
  • استمرار الحصار البيولوجي بأشكال أخرى

السيناريو الثاني

  • وقف شامل للعدوان
  • محاسبة دولية فعلية
  • رفع الحصار وإعادة إعمار بقيادة فلسطينية
  • استعادة السيادة الصحية

ثامناً: التوصيات:

على المستوى القانوني والدولي:

1- اعتماد مفهوم "تقويض الصحة" كجريمة:

  • إدراجه ضمن تعريفات الإبادة الجماعية
  • تفعيل آليات التوثيق والمراقبة
  • بناء ملفات قانونية شاملة

2- المساءلة عن العنف التاريخي:

  • عدم الاكتفاء بجرائم المرحلة الحالية
  • محاسبة عقود الحصار والتدمير البنيوي
  • مساءلة الدول الداعمة والمتواطئة

3- حماية مطلقة للوحدات الطبية:

  • إغلاق الثغرات القانونية
  • اعتبار حماية المرافق الصحية "قاعدة آمرة"
  • عقوبات رادعة لأي انتهاك

على المستوى الميداني والتنموي:

4- تعافٍ بنيوي قائم على التحرر:

  • قيادة فلسطينية كاملة لإعادة الإعمار
  • إنهاء السيطرة الإسرائيلية على:
    • الحدود والمجال الجوي
    • إمدادات الوقود والمستلزمات الطبية
    • نظام التصاريح الطبية
  • ضمان حرية التنقل للمرضى والكوادر
  • ضمانات قانونية ضد تكرار الحصار

5- بنية معرفية لطب قائم على التحرر:

  • منصة بحثية فلسطينية مستقلة
  • دراسة الصحة في ظل الاحتلال
  • إنتاج معرفة خاضعة للمساءلة المجتمعية
  • تعزيز العدالة لا العمل الخيري

تاسعاً: الخلاصة:

القطاع الصحي في غزة ليس ضحية حرب عادية، بل هدف استراتيجي لسياسة إبادة ممنهجة. ما نشهده هو:

- ليس انهياراً عرضياً  بل تدمير مقصود

- ليس نتيجة جانبية  بل هدف رئيسي

- ليس فشلاً إنسانياً  بل تنفيذ استعماري

المطلوب ليس مجرد إغاثة أو إعادة إعمار، بل:

  • اعتراف دولي بطبيعة الجريمة
  • محاسبة تاريخية شاملة
  • استعادة السيادة الصحية الفلسطينية
  • تفكيك بنية الحصار البيولوجي

بدون هذا التحرك الجذري، ستبقى أي جهود إغاثية مجرد إسعافات أولية لجريمة مستمرة.

عاشراً: مؤشرات المتابعة

لتقييم تطور الوضع، يجب متابعة:

* المؤشرات الصحية:

  • عدد المستشفيات العاملة
  • نسبة الكوادر الطبية الباقية
  • توفر المستلزمات الأساسية
  • معدلات انتشار الأوبئة

* المؤشرات القانونية:

  • تقدم قضايا المحاكم الدولية
  • اعتماد مفهوم "تقويض الصحة"
  • العقوبات على الدول الداعمة

* مؤشرات الإنذار المبكر:

  • استمرار استهداف المرافق الطبية
  • تصاعد الحصار على الإمدادات
  • منع دخول الكوادر أو المساعدات

التقييم: حرج - يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً

التوصية العامة: التعامل مع الأزمة كإبادة صحية ممنهجة لا كأزمة إنسانية عابرة

المصدر: شبكة السياسات الفلسطينية (بتصرف)

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo