أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تشكيل «مجلس السلام» الدولي، وربطه باتفاق إنهاء الحرب في غزة، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والفكرية العربية والدولية. فبين من يرى فيه فرصة عملية لكسر الجمود الدولي وإنهاء الحروب المزمنة، ومن يحذّر من كونه مدخلاً لتهميش الأمم المتحدة وفرض نظام دولي جديد قائم على الصفقات والقوة، تتقاطع التحليلات عند سؤال مركزي: هل يشكّل مجلس ترمب إطاراً واقعياً لصناعة السلام أم مجرد أداة لفرض هيمنة أميركية جديدة؟
غزة بوابة المشروع
يتفق الكتّاب على أن غزة كانت المدخل السياسي والإعلامي لإطلاق «مجلس السلام»، لكنها ليست هدفه الوحيد ولا حتى المركزي.
يرى الكاتب والمحلل السياسي طوني فرنسيس أن المجلس تجاوز المهمة الأممية المحددة في قرار مجلس الأمن، وبدأ يتمدد نحو أدوار سياسية واستراتيجية أوسع، ما يهدد بتذويب جوهر القضية الفلسطينية في زحمة أولويات دولية وطموحات شخصية للرئيس الأميركي.
أما الكاتب اللبناني رفيق خوري فيذهب أبعد، معتبراً أن غزة تُدار في هذا التصور كمشروع تدبير وإدارة وربما استثمار، لا كجزء لا يتجزأ من الجغرافيا الفلسطينية المرتبطة بمسار حل الدولتين، في ظل غموض متعمد حول مستقبل الضفة الغربية.
مجلس ترمب أم بديل عن الأمم المتحدة؟
المفكر المصري عمرو الشوبكي يرى أن المجلس ليس مجرد آلية لإنهاء حرب غزة أو أوكرانيا، بل محاولة لتأسيس نظام دولي جديد عبر نزع الشرعية عن المؤسسات القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، من خلال الترويج لفشلها التاريخي. ويقارن ذلك بتجارب سابقة استندت إلى إسقاط القديم من دون تقديم بديل متوافق عليه، وانتهت غالباً إلى فشل ذريع.
في السياق ذاته، يحذّر خوري من أن المجلس يُدار عملياً كأداة بيد ترمب، يمتلك فيها حق الفيتو والتفسير والتنفيذ، ما يجعله هيئة فوق القانون الدولي، بلا شرعة أممية أو مرجعية قانونية واضحة.
الرؤية الأميركية: السلام عبر القوة والصفقات
تكشف وثائق الإدارة الأميركية، ولا سيما «استراتيجية الدفاع القومي 2026»، أن «مجلس السلام» ليس مبادرة منفصلة، بل جزء من رؤية أوسع لإعادة صياغة الدور الأميركي في الشرق الأوسط.
يشير فرنسيس إلى أن واشنطن تنظر إلى غزة ضمن مقاربتها الإقليمية الأشمل، حيث تبقى إيران العائق الرئيسي أمام اندماج إسرائيل وبناء «شرق أوسط أكثر استقراراً» وفق التعريف الأميركي. ويؤكد أن المجلس يُراد له أن يكون إطاراً تنفيذياً سريعاً، يعوض ما تعتبره واشنطن عجز المؤسسات الدولية التقليدية.
غير أن هذا النهج، كما يلفت الشوبكي، ينقل مركز الثقل من القانون الدولي إلى منطق «البيزنس السياسي»، حيث تُربط العضوية والنفوذ بالقدرة على الدفع والتمويل، ما يهدد بتحويل السلام إلى سلعة تخضع لقواعد السوق لا لمبادئ العدالة.
الانخراط العربي: بين الفرصة والامتحان الصعب
رغم التحفظات الواسعة، يرى طوني فرنسيس أن الانخراط العربي في مجلس ترمب قد يكون ضرورة سياسية، شرط أن يكون انخراطاً فاعلاً لا شكلياً. فالمجموعة العربية، بدعم سعودي واضح، وضعت سقفاً سياسياً يقوم على وقف الحرب، ومنع التهجير، وربط أي مسار سلام حقيقي بقيام الدولة الفلسطينية.
لكن هذا الانخراط، بحسب الكتّاب، يتطلب يقظة عالية، إذ إن المجلس يحمل طموحات تتجاوز فلسطين إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية، وقد يتحول إلى أداة ضغط على العرب إذا لم يقترن بموقف موحد وقدرة على التأثير في مساراته التنفيذية.
حدود النجاح وإشكاليات البديل
يجمع الشوبكي وخوري على أن فرص نجاح مجلس ترمب كبديل عن الأمم المتحدة تبقى محدودة، في ظل غياب التوافق الدولي، ورفض قوى كبرى وأطراف أوروبية لتحويله إلى مرجعية عليا. غير أن خطورته تكمن في قدرته على فرض وقائع جديدة بحكم النفوذ الأميركي، ما قد يؤدي عملياً إلى تهميش تدريجي للمؤسسات الدولية القائمة.
وفي ظل غياب بدائل واقعية في الشرق الأوسط، بعد تعثر الخيار العسكري وانسداد أفق التفاوض التقليدي، تبدو المنطقة أمام معادلة صعبة: القبول بمسار ناقص ومحفوف بالمخاطر، أو البقاء في دائرة الفراغ السياسي.
خلاصة
لا يبدو «مجلس ترمب للسلام» مجرد مبادرة ظرفية لمعالجة حرب غزة، بل محاولة لإعادة تعريف أدوات إدارة الصراعات الدولية. وبينما يفتح باباً لفرص محتملة لوقف الحروب وإعادة الإعمار، فإنه يحمل في طياته مخاطر حقيقية على النظام الدولي والقضية الفلسطينية، إذا لم يُضبط بإطار قانوني واضح وموقف عربي ودولي متماسك. ويبقى التحدي الأكبر: كيف يمكن تحويل الانخراط في هذا المسار إلى أداة لخدمة الحقوق الفلسطينية، لا إلى غطاء لتكريس أمر واقع جديد؟
