واشنطن تُدير المشهد والفلسطينيون غائبون.. بين وعود ترمب وشروط نتنياهو: كيف تحوّل إعمار غزة إلى رهينة معادلة مستحيلة؟
في مشهد يجمع بين الاستعراض الدبلوماسي والغموض السياسي، انعقد الاجتماع التأسيسي لـ«مجلس السلام» في واشنطن، الخميس، بحضور ممثلي أكثر من 47 دولة على مستويات رفيعة تراوحت بين رؤساء دول ووزراء خارجية وسفراء، فضلاً عن منظمات دولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي.
وبينما تعالت الخطابات عن السلام الدائم وإعادة الإعمار، كان سكان غزة المدمَّرة يتساءلون في مخيماتهم ومواقع نزوحهم عن الجهة التي ستمثلهم في قاعات القرار. فلجنة التكنوقراط الفلسطينية المؤلفة من 15 عضواً، التي أُسندت إليها مهمة إدارة القطاع تحت إشراف المجلس، لا تزال عاجزة عن دخول غزة، في حين أُتيح لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن يجلس إلى الطاولة. هذا التناقض اللافت حضر التمثيل الإسرائيلي وغاب الفلسطيني في مجلس يناقش مصير مليوني فلسطيني في قطاع غزة.
تعهدات مالية بلا أرضية سياسية صلبة
أعلن الرئيس ترمب أن الولايات المتحدة ستقدم 10 مليارات دولار لصالح المجلس، فيما بلغت تعهدات الدول الأعضاء الأخرى نحو 7 مليارات دولار، مع مساهمات بارزة من الإمارات والكويت بواقع 1.2 مليار لكلٍّ منهما، إلى جانب مشاركات من السعودية وقطر والمغرب وكازاخستان وأذربيجان وغيرها. بل ذهب ترمب إلى أبعد من ذلك حين أعلن عن خطط تشمل جمع 75 مليار دولار بمشاركة الفيفا لمشاريع تضمّ ملاعب كرة قدم، واستضافة النرويج لاجتماع مقبل للمجلس.
غير أن المراقبين يُحذّرون من الوقوع في خدعة الأرقام؛ ويرون أن الأرقام المعلنة ضئيلة مقارنة بحجم الدمار الفعلي وفق التقديرات الدولية، وأن ضخّ المال في فراغ سياسي لن يُفضي إلى إعمار حقيقي طالما ظلّت الملفات الجوهرية معلّقة. ومن المتوقع أن تتولى مجموعة «جي بي مورغان تشيس» تقديم الخدمات المصرفية للمجلس، بما يشمل تسهيل المدفوعات، في إطار يعكس الطابع الهجين لهذا الكيان الجديد الذي يمزج بين المنطق السياسي وآليات القطاع الخاص.
معادلة نزع السلاح: حلقة مفرغة
يُشكّل ملف نزع السلاح العقدة المركزية التي تتشابك حولها بقية القضايا. فإسرائيل ترفض رفضاً قاطعاً أي حديث عن انسحاب قواتها التي تُحكم سيطرتها على نحو 56% من مساحة القطاع، قبل ما تصفه بـ«النزع التام» للسلاح الذي يمتد ليشمل حتى الأسلحة الفردية من بنادق ومسدسات.
في المقابل، ترفض «حماس» أي نزع سلاح قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل ودخول قوات دولية تفصل بين الطرفين، ومتخوّفةً من أن تكشف الهشاشةُ الأمنية أعضاءَها لعمليات اغتيال. وقد بذل الوسطاء جهوداً للتوصل إلى صيغ وسطى: فمقترح يقوم على تخزين الأسلحة الهجومية والإبقاء على الدفاعية رُفض إسرائيلياً، ومقترح أميركي بسحب الأسلحة التي يتجاوز مداها 300 متر رُفض من «حماس»، بينما اقترحت الأخيرة «إخفاء» السلاح بدلاً من تسليمه، وهو ما لم يقبل به أي طرف. وقد لخّص وزير الخارجية الأميركي روبيو الموقف بصراحة قائلاً إنه لا توجد «خطة بديلة» غير هذا المسار، فيما حذّر السفير مايك والتز «حماس» صراحةً من أن أمامها خياران لا ثالث لهما في مسألة نزع السلاح.
نتنياهو وحسابات الانتخابات: عقبة بنيوية لا ظرفية
يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق مصادر مطلعة على المفاوضات، جملةً من العقبات المتعمدة أمام أي تقدم. فبالإضافة إلى إصراره على نزع السلاح الفردي قبل الانسحاب، ثمة بُعد انتخابي لا يمكن تجاهله؛ إذ تشهد إسرائيل انتخابات عامة تتصدرها الحرب ونتائجها بوصفها المحور الرئيسي.
وتكشف مصادر متعددة أن نتنياهو لن يُقدم على الانسحاب خشية أن تبني المعارضة حملتها على اتهامه بالفشل في تحقيق أهداف الحرب التي حددها بنفسه. ويُبدي بعض الوسطاء قلقاً بالغاً من احتمال استئناف الحرب تحت ذريعة «سحب السلاح»، وهو سيناريو حذّرت منه شخصيات فلسطينية وعربية عديدة. وقد أكد نتنياهو علناً في خطاب متلفز أن إعادة الإعمار لن تبدأ قبل نزع السلاح، مؤكداً أن ذلك تمّ التنسيق فيه مع واشنطن، وإن كانت المصادر ذاتها تُشير إلى وجود فجوة فعلية بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي.
قوات الاستقرار: وجوه مرحب بها وأخرى مرفوضة
برزت في اجتماع الخميس بشائر جدية لتشكيل قوة استقرار دولية في غزة، إذ أعلن الجنرال جاسبر جيفيرز التزام خمس دول بإرسال قواتها هي إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، فيما ستضطلع مصر والأردن بتدريب عناصر الشرطة. وستتولى إندونيسيا منصب نائب القائد في هذه القوة التي تعهدت بإرسال نحو 8000 جندي.
بيد أن إسرائيل ترفض مشاركة دول محورية في هذه القوة، وفي مقدمتها تركيا وقطر اللتان أدّتا دوراً محورياً في التوسط لوقف إطلاق النار، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الشرعية المحلية والإقليمية لهذه القوة. ويُضاف إلى ذلك الخلاف حول طبيعة دورها: الجانب الفلسطيني والدول العربية يريدونها قوة فصل ومراقبة، أما إسرائيل فتريدها أداةً لنزع السلاح ومنع التسلح، وهو ما يعني أن قوة حفظ السلام قد تتحول إلى ساحة نزاع دبلوماسي قبل أن تضع قدمها على أرض القطاع.
مطالب عربية مشروعة في مواجهة ارتجال أمريكي
في أعقاب لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الأردني في نيويورك، أكد الجانبان ضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة ترمب، وإدخال اللجنة الوطنية لإدارة غزة فعلياً إلى القطاع، وضمان استمرار المساعدات الإنسانية دون قيود، والتمهيد لمسار سياسي جاد يُفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق رخا أحمد حسن أن ما يجري هو «هروب للأمام» من جانب واشنطن التي تتجنّب وضع إسرائيل أمام أي التزامات حقيقية، في ظل ارتجال أميركي يفتقر إلى التنسيق مع أصحاب الشأن الفلسطيني والإقليمي والأوروبي، مما يجعل التصورات المطروحة في خدمة الأجندة الإسرائيلية أولاً وأخيراً.
هل يُزاحم المجلس الأمم المتحدة؟
لا تقتصر التعقيدات على الملفات الميدانية، بل تمتد إلى البنية المؤسسية للمجلس ذاتها. فميثاقه ينصّ على أهداف أوسع بكثير من غزة، إذ يشمل حلّ النزاعات المسلحة في شتى أنحاء العالم، ما يُثير مخاوف جدية من أن واشنطن تسعى إلى بناء هيكل دولي بديل يُقصي الأمم المتحدة التي ينتقدها ترمب صراحةً. وقد أعلنت فرنسا رفضها المشاركة في المجلس حتى يُزال هذا الغموض، مُعربةً عن مفاجأتها بحضور المفوضية الأوروبية دون تفويض من الدول الأعضاء. وعلى صعيد الحوكمة، تتركّز صلاحيات واسعة في يد ترمب وحده تشمل رئاسة المجلس مدى الحياة، وقبول الأعضاء وإقصاءهم، والتحكم المنفرد في توجيه الأموال المقدّمة من الدول الأعضاء، وهو ما يُثير قلقاً مشروعاً من الطابع الشخصاني لهذا الكيان.
ثلاثة مسارات وسؤال المصير
يكشف المشهد الراهن أن قطاع غزة يقف أمام ثلاثة سيناريوهات:
الأول: هو عودة الحرب التي يرجّحها بعض المراقبين إذا ما انهارت مسار التسوية
الثاني: هو فرض الإدارة الأميركية اتفاقاً على الطرفين وفق رؤيتها وهو ما يعكسه حديث روبيو عن انعدام أي خطة بديلة
الثالث: والأكثر ترجيحاً في نظر كثيرين هو استمرار حالة الجمود الراهنة التي تضمن لإسرائيل السيطرة الفعلية وتجعل من غزة مكاناً يستحيل العيش فيه تدريجياً، مما يجعل التهجير يبدو طوعياً بدلاً من أن يكون إكراهاً مكشوفاً.
في هذا السياق، يغدو الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام صورةً أكثر منه مساراً، ما لم تُترجَم التعهدات المالية والخطابات الرنّانة إلى جداول زمنية ملزمة وآليات تنفيذ صارمة تضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها الحقيقية.
