قراءة في مستقبل إدارة غزة بعد الحرب وتشكيل اللجنة
أفرزت حرب الإبادة الجماعية التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، وما زالت تداعياتها مستمرة بأشكال مختلفة، واقعًا سياسيًا جديدًا يعكس اختلالًا صارخًا في موازين القوى، ويفتح الباب أمام ترتيبات قسرية لليوم التالي. وجاء الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة بوصفه إحدى أبرز نتائج المرحلة، خطوةً أثارت آمالًا حذرة، ومخاوف عميقة في آنٍ واحد.
هذه التطورات أثارت جدلاً واسعًا بين المحللين الفلسطينيين. فبين من يراها خطوة عملية ضرورية، ومن يحذر من مخاطرها السياسية، تتفق الآراء على أن اللجنة تمثل لحظة فارقة في مستقبل القطاع.
نتاج موازين قوى مختلة
يشير الكاتب والمحلل السياسي محسن أبو رمضان إلى أن تشكيل اللجنة جاء نتيجة طبيعية لموازين القوى المختلة التي أفرزتها الحرب. ويوضح أن خطة ترامب المكونة من 20 بندًا، والتي تضمنت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وفتح معبر رفح، لم تُنفذ بالكامل من قبل حكومة الاحتلال، التي ما زالت تسيطر على 53% من مساحة القطاع عبر ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
ويؤكد أبو رمضان أن اللجنة تشكلت بإجماع من كافة الفصائل والرئاسة الفلسطينية، وبجهود محورية من مصر بالتنسيق مع قطر وتركيا، لتكون ردًا عمليًا على محاولات نتنياهو المتكررة لإفشال الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي كانت تتضمن تشكيل هذه اللجنة وإعادة تموضع قوات الاحتلال.
لا ترفعوا سقف التوقعات
بدوره سار المستشار السابق لرئيس حكومة غزة د. أحمد يوسف نهجًا أكثر حذرًا في التعامل مع اللجنة، محذرًا من المبالغة في التوقعات. يقول يوسف: "اللجنة الإدارية ليست حكومة إنقاذ، ولا سلطة سيادية، ولا جسمًا منتخبًا يُعبّر عن إرادة جامعة. هي، في أفضل الأحوال، صيغة اضطرارية لإدارة الحد الأدنى من شؤون الحياة".
ويرى د. يوسف أن وظيفة اللجنة المتوقعة تنحصر في تخفيف الأعباء اليومية: تنظيم ملفات إغاثية، إدارة جزئية لشؤون النزوح، ومحاولة تشغيل خدمات أساسية. ويحذر من أن حتى هذا الدور المحدود سيظل مشروطًا باعتبارات أمنية وسياسية خارجية، مع وصاية أمريكية غير معلنة عبر "مندوب سامٍ" بمرجعية دولية.
ويخلص يوسف إلى أن "غزة تحتاج اليوم إلى خطاب واقعي ومسؤول، يُخفّض سقف التوقعات، ويُقدّم الحقيقة كما هي، دون أوهام".
نتيجة متأخرة لفشل سياسي
الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله يقدم قراءة نقدية، مشيرًا إلى أن تشكيل اللجنة جاء متأخرًا جدًا، وأنه كان بالإمكان تجنب الكثير من الدمار لو تم التحرك في وقت أبكر. يقول عطا الله: "ماذا لو سلمت حماس الأمور في بداية العام 2024؟ كانت اللحظة نموذجية وهي بكامل عتادها ومعاركها وقادتها".
ورغم نقده الحاد، يرى عطا الله أن اللجنة تمتلك ورقة قوة مهمة: "تكمن قوتها بأن إسرائيل لا تريد حكم غزة، بل إن ذلك يشكل كابوساً للأجهزة العسكرية". ويدعو اللجنة إلى استغلال هذه الورقة بالإعلان عن تبعيتها للسلطة الفلسطينية، مؤكدًا أن "اللجنة هي الجهة الوحيدة التي تخرج إسرائيل من المأزق وهنا ورقة قوتها الأكبر".
نظرة تفاؤلية: فرصة مهنية
وقدم د. جمال المجايدة رؤية أكثر تفاؤلاً، مشيدًا باختيار د. علي عبدالحميد شعت رئيسًا للجنة، واصفًا إياه بأنه "لديه خبرة طويلة في العمل الميداني منذ تولي السلطة الفلسطينية إدارة الضفة وغزة في العام 1993".
يرى المجايدة أن أهمية اللجنة تكمن في كونها "هيئة غير حزبية، تضم خبراء مختصين في الإدارة، والاقتصاد، والصحة، والخدمات، والتعليم"، مما يمنحها القدرة على التعامل مع الملفات اليومية بروح مهنية بعيدة عن الاستقطاب السياسي.
ويؤكد المجايدة أن اللجنة ستسهم في:
- تحسين الأداء الخدمي وإعادة الإعمار
- تسهيل الانفتاح الإقليمي والدولي
- تمهيد الطريق لحل سياسي شامل
- تعزيز مبدأ الفصل بين السياسة والإدارة
خطر الفصل عن الضفة
رغم اختلاف التقييمات، يتفق جميع المحللين على خطر رئيسي يهدد مستقبل اللجنة: احتمال فصل غزة عن الضفة الغربية.
يحذر محسن أبو رمضان من أن "مرجعية اللجنة سيكون مجلس السلام العالمي الذي يرأسه ترامب، وأن حلقة الوصل بينها وبين اللجنة الفلسطينية هو ميلادينوف الذي يُسمى المبعوث السامي لمجلس السلام". ويشير إلى أنه "لا يوجد آليات واضحة بالربط بين غزة والضفة، بما يحمل مخاطر تكمن بأن يصبح لقطاع غزة مكانة قانونية وسياسية وإدارية تختلف عن الضفة".
وينضم أكرم عطا الله إلى هذا التحذير، مؤكدًا أن "إسرائيل تصر على أن تعمل تلك اللجنة بمعزل عن السلطة أو أن يكون لها أي ارتباط مع منظمة التحرير، ما يعني تكريس الانفصال التام بين المنطقتين، وتلك نتيجة مهمة لإسرائيل لكنها كارثة فلسطينية".
التحديات الأمنية والسياسية
يشير أبو رمضان إلى أن حكومة الاحتلال لم تلتزم ببنود البروتوكول الإنساني، وقلصت من كمية المساعدات، واستمر معبر رفح بالإغلاق. كما أن تصريحات المبعوث الأمريكي ويتكوف، التي تضمنت تحذيرًا لحماس بنزع سلاحها، تضع المرحلة الثانية "في حالة من الاهتزاز وعدم الاستقرار".
ويضيف أن تصعيد حكومة الاحتلال لهجماتها يوم الإعلان عن تشكيل اللجنة، حيث استشهد تسعة من الفلسطينيين، إلى جانب تأكيد نتنياهو على عدم الانسحاب من الخط الأصفر، يشير إلى "محاولة نتنياهو لإفشال ليس فقط اللجنة بل إفشال عملية الانتقال للمرحلة الثانية".
خطر التهجير المستمر
يحذر أبو رمضان من أن "خطر التصفية الوجودية والسياسية لشعبنا ما زال قائمًا"، مشيرًا إلى أن دولة الاحتلال "ما زالت تحاول تنفيذ التهجير الناعم، مرة بحجج إنسانية ومرة أخرى من خلال بناء مدينة (ذكية خضراء) في رفح لدفع الناس للنزوح من الغرب إلى الشرق".
ويؤكد أن "التمسك بالخطة المصرية العربية الخاصة بالإعمار يشكل الرد العملي على مخاطر التهجير الذي لم يغادر عقلية حكومة اليمين الفاشية حتى هذه اللحظة".
بين الأمل والحذر
تتفق جميع الآراء على أن لجنة التكنوقراط تمثل محاولة لإدارة واقع معقد في ظروف استثنائية. فبينما يراها البعض خطوة عملية ضرورية لتخفيف معاناة المواطنين، يحذر آخرون من تحميلها ما لا تطيق، أو استخدامها كأداة لتكريس الانفصال عن الضفة الغربية.
يؤكد د. أحمد يوسف أن "الرهان الحقيقي يجب أن يبقى على صمود الناس، وتماسك المجتمع، ووحدة الموقف الفلسطيني، ووعي خطورة المرحلة".
فيما يدعو أكرم عطا الله اللجنة إلى "أن تتحدث بقوة كطرف يمثل الفلسطينيين وهو جزء من الجماعة الفلسطينية الذي لا يمكن أن يكون منفصلاً عنها ولا موازيًا لها".
ويختم محسن أبو رمضان بالقول: "يجب النظر إلى الغابة خلف الشجرة، فما زال خطر التصفية الوجودية والسياسية لشعبنا قائمًا، الأمر الذي يجب أن يدفع الجميع للوحدة والتفكير بوسائل إفشاله".
أما د. جمال المجايدة، فيرى أن نجاح اللجنة "قد يشكل جسرًا ضرورياً لعبور المرحلة الأصعب، ووضع القطاع على مسار أكثر أملاً واستدامة"، لكنه يؤكد أن هذا لا يغني عن الحل السياسي الشامل الذي يجب أن ينتهي بقيام دولة فلسطينية.
في النهاية، تبقى الأيام القادمة هي الفيصل في اختبار قدرة اللجنة على تحقيق أهدافها المحدودة، وحمايتها من التحول إلى أداة لتكريس الانقسام الجغرافي والسياسي للشعب الفلسطيني.
لجنة التكنوقراط هي نتاج لحظة انسداد سياسي وهزيمة مركّبة، وليست خيارًا مثاليًا أو حرًّا.
