مجهول خلف الكواليس

مجلس السلام في غزة: المرحلة الأخطر.. ما الذي يُحضَّر لغزة؟

نيكولاي ملادينوف وعلي شعت
نيكولاي ملادينوف وعلي شعت

تشهد الساحة الفلسطينية، وتحديداً في قطاع غزة، حراكاً دبلوماسياً غير مسبوق، يوحي بأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار لم تعد مجرد تفاهمات نظرية، بل دخلت حيّز التشكيل المؤسسي والتنفيذي.

برزت في الأيام الأخيرة مشروع دولي–إقليمي متكامل يقوم على إنشاء هياكل إدارية وأمنية متعددة، في مقدمتها مجلس السلام، ولجنة إدارة القطاع، وقوة استقرار دولية، في محاولة لرسم خريطة طريق جديدة لإنهاء الصراع المستمر.

هندسة المشهد المعقد

يعكس هذا التشكيل متعدد المستويات إدراكاً دولياً لطبيعة التعقيد في غزة، حيث لا يمكن معالجة الأزمة عبر مقاربة أحادية. الجمع بين البعد السياسي (مجلس السلام)، والإداري (لجنة التكنوقراط)، والأمني (قوة الاستقرار)، يشير إلى محاولة شاملة لمعالجة جذور الأزمة وتداعياتها، لا الاكتفاء بإدارة مؤقتة للأزمة.

حضور دولي وإقليمي محسوب

اللافت في هذه الترتيبات هو التمثيل الدولي الواسع، الذي يضم أطرافاً عربية وإسلامية إلى جانب قوى غربية ومؤسسات دولية. هذا التوازن يهدف إلى منع احتكار القرار من طرف واحد، وتوفير مظلة شرعية أوسع للمشروع. ويُنظر إلى الحضور العربي، خصوصاً من الدول التي لعبت أدوار وساطة سابقة، كعنصر أساسي لكسب القبول الشعبي والسياسي في المنطقة.

 

مصر: من الوساطة إلى الإشراف

تتصدر مصر المشهد بوصفها لاعباً محورياً في هذه المرحلة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وخبرتها الطويلة في إدارة الملف الفلسطيني. ولا يقتصر دور القاهرة على التنسيق السياسي، بل يمتد إلى استضافة الاجتماعات التحضيرية والإشراف العملي على انتقال اللجان إلى داخل القطاع، ما يمنحها ثقلاً تنفيذياً واضحاً.

اختبار الانتقال إلى الميدان

يمثل انعقاد الاجتماع الأول للجنة التكنوقراط خطوة عملية نحو التطبيق الفعلي. الأولويات المعلنة تركز على الجوانب الإنسانية العاجلة: فتح المعابر، إدخال المساعدات، وتحسين الظروف المعيشية، تمهيداً لملف إعادة الإعمار. غير أن نجاح هذه الخطوات سيبقى مرهوناً بمدى الالتزام السياسي والأمني من جميع الأطراف.

الأمن: العقدة الأصعب

يبقى ملف السلاح ومستقبل الأمن في غزة التحدي الأكثر حساسية. فنجاح أي ترتيبات انتقالية يتطلب مزيجاً دقيقاً من الضمانات الأمنية، والحوافز الاقتصادية، والضغط السياسي. إنشاء قوة استقرار دولية يهدف إلى ملء الفراغ الأمني المحتمل، إلا أن فعاليتها ستعتمد على تفويضها، وطبيعة انتشارها، وقدرتها على بناء ثقة حقيقية مع السكان.

إعادة الإعمار التكلفة الباهضة

في موازاة ذلك، يبرز ملف إعادة الإعمار كأحد أعقد الملفات، ليس فقط بسبب الكلفة الضخمة التي قد تتجاوز خمسين مليار دولار، بل بسبب الخلافات حول طبيعة الإعمار: هل يكون جزئياً يركز على الحد الأدنى، أم شاملاً يعيد تشكيل مستقبل القطاع؟ هذا الخلاف يعكس تبايناً أعمق حول الحلول السياسية النهائية.

التمويل والرقابة

يمثل إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي خطوة مهمة لتأمين الموارد المالية، وتوفير إطار رقابي يعزز الشفافية والمساءلة، وهي نقطة طالما كانت مثار جدل في التجارب السابقة لإعادة إعمار غزة.

عقبات سياسية واختبارات داخلية

على الجانب الآخر، تبقى المواقف الإسرائيلية عاملاً حاسماً قد يعرقل المسار برمته، سواء عبر تعطيل دخول المساعدات أو التلكؤ في الانسحاب. في المقابل، يشكّل التوافق الفلسطيني الداخلي شرطاً أساسياً لنجاح المرحلة المقبلة، خاصة في ما يتعلق بإدارة الملفات الأمنية وتسليم الصلاحيات.

بين الصبر والواقع

تعتمد الأطراف العربية والفلسطينية نهج “الصبر الاستراتيجي”، القائم على التدرج والدبلوماسية الهادئة، وهو نهج أتاح الوصول إلى هذه المرحلة. إلا أن الواقع الإنساني الضاغط في غزة، حيث الدمار الواسع والانهيار الخدمي، لا يترك هامشاً واسعاً للمناورة أو التأجيل.

خلاصة المشهد

تشير المعطيات الحالية إلى توفر إرادة دولية وإقليمية جادة لدفع مسار إنهاء الصراع في غزة. ورغم أن فرص النجاح تبدو أكبر من ذي قبل، فإن الطريق لا يزال محفوفاً بالعقبات السياسية والأمنية والإنسانية. الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لاختبار جدية الالتزامات، بل لتحديد ما إذا كان مجلس السلام سيكون نقطة تحوّل تاريخية، أم مجرد محطة جديدة في مسار طويل من المحاولات غير المكتملة.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo