أزمة الشيكل مع الدولار

بالأرقام.. إسرائيل تربح في الحرب والعالم يخسر أخلاقيا

منظومة الدفاع الجوي
منظومة الدفاع الجوي

تشهد الصناعات العسكرية الإسرائيلية حالة متناقضة في نهاية عام 2025، حيث تحقق نجاحات تسويقية غير مسبوقة بقيمة 15 مليار دولار، بينما تواجه تحديات اقتصادية داخلية بسبب ارتفاع قيمة الشيكل. هذا الوضع يعكس معادلة معقدة بين النجاح العسكري-التسويقي والضغوط الاقتصادية الهيكلية.

التحليل العسكري

  1. التصدير والأسواق
  • حجم الصادرات المتوقع: 15 مليار دولار (مماثل لعام 2024)
  • استمرار الطلب العالمي رغم الاحتجاجات والمقاطعات
  • عودة أسواق رئيسية (ألمانيا نموذجاً) بعد فترة تعليق

الصفقات الكبرى:

  • ألمانيا: صفقتان بقيمة 6.6 مليار دولار (صواريخ "حيتس 3")
  • الإمارات: صفقة تقنية بقيمة 2.3 مليار دولار (شركة إلبيت)
  • صربيا: صفقة متكاملة بقيمة 1.6 مليار دولار (طائرات مسيّرة وأنظمة قيادة)
  1. الحرب كأداة دعاية

تشير التقارير بوضوح إلى أن العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران استُخدمت كـ"ساحة اختبار حية" للأسلحة الإسرائيلية، مما عزز جاذبيتها التسويقية. هذا النموذج يعكس ظاهرة "اقتصاد الحرب الدائمة" حيث تتحول الصراعات إلى فرص تجارية.

التداعيات الاستراتيجية:

  • تحول الحروب إلى استثمارات طويلة الأمد في صناعة السلاح
  • إنشاء "علامة تجارية" عسكرية قائمة على الأداء الميداني
  • اختراق أسواق جديدة (الخليج العربي، أوروبا الشرقية)
  1. المفارقة السياسية

رغم الإدانات الدولية والمقاطعات، عادت دول كانت منتقدة بشدة (ألمانيا) إلى الشراء بمليارات الدولارات. هذا يكشف الفجوة بين الخطاب السياسي العلني والمصالح الأمنية الفعلية للدول.

التحليل الاقتصادي

1- ارتفاع الشيكل

الأرقام الحاسمة:

  • ارتفاع الشيكل مقابل الدولار: 16% خلال 8 أشهر (من 3.8 إلى 3.2 شيكل/دولار)
  • ارتفاع مقابل اليورو: 7%
  • ارتفاع مقابل الجنيه الإسترليني: 14%

التأثير المباشر: رغم زيادة الصادرات بالدولار، تنخفض قيمتها الفعلية بالشيكل بنسبة مماثلة، مما يعني أن المداخيل الحقيقية للمصدّرين تتآكل. في حالة ارتفاع 16%، كل مليار دولار صادرات يخسر ما يعادل 160 مليون دولار من قيمته المحلية.

2- عوامل ارتفاع الشيكل

عوامل داخلية:

  • انخفاض مستوى المخاطر بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة
  • ارتفاع مؤشر ناسداك بـ18% (قطاع الهايتك الإسرائيلي)
  • فارق الفائدة لصالح إسرائيل (4.25% + 1.5% مقابل 3.5-3.75% أمريكياً)

عوامل خارجية:

  • انخفاض قيمة الدولار عالمياً بنسبة 10% منذ عودة ترامب
  • تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى تل أبيب
  • سياسة ترامب الاقتصادية لخفض العجز التجاري الأمريكي (920 مليار دولار)

3- التناقض الهيكلي

المعادلة الخاسرة:

  • التكاليف (بنية تحتية، رواتب): بالشيكل (ثابتة أو متزايدة)
  • الإيرادات (صادرات): بالدولار (قيمتها تتراجع بالشيكل)
  • النتيجة: انضغاط هوامش الربح رغم زيادة حجم الصادرات

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: التدخل النقدي

الآلية:

  • ضغوط المصدّرين على بنك إسرائيل المركزي للتدخل
  • شراء البنك للدولارات من السوق لرفع قيمته
  • تخفيض نسبة الفائدة لتقليل جاذبية الشيكل

المعوقات:

  • سياسة محافظ البنك الحالي (أمير يارون) المعارضة للتدخل منذ 4 سنوات
  • مخاطر تضخمية محتملة
  • تعارض مع مصالح قطاع الهايتك المستفيد من الشيكل القوي

السيناريو الثاني: التكيف في السوق

المسار:

  • استمرار ارتفاع الشيكل في المدى القصير
  • إغلاق خطوط إنتاج منخفضة الربحية
  • فصل عمال وإعادة هيكلة
  • التركيز على منتجات عالية القيمة المضافة

النتائج:

  • انكماش في حجم القطاع لكن بربحية أعلى
  • تعزيز التخصص التقني المتقدم
  • زيادة الاعتماد على الصفقات الكبرى

السيناريو الثالث: عدم الاستقرار

المحفزات:

  • تجدد الصراعات الإقليمية
  • انهيار اتفاقيات وقف إطلاق النار
  • أزمة أمنية جديدة

التأثيرات:

  • هروب رؤوس الأموال وانخفاض الشيكل
  • ارتفاع الطلب على الأسلحة الإسرائيلية
  • حل "طبيعي" لمعضلة العملة عبر الأزمة

التداعيات الاستراتيجية

  1. على المستوى العسكري
  • اعتماد متزايد على الحروب: الصناعة العسكرية أصبحت تعتمد هيكلياً على الصراعات لإثبات جدوى منتجاتها، مما يخلق حافزاً اقتصادياً غير معلن لاستمرار التوتر.
  • تطوير متسارع: الضغوط التنافسية والحاجة لتبرير الأسعار المرتفعة ستدفع نحو ابتكارات تقنية متقدمة، خاصة في المسيّرات والدفاع الصاروخي.
  • تنويع الأسواق: التوسع في أسواق غير تقليدية (الخليج، أوروبا الشرقية، آسيا) لتقليل الاعتماد على الشركاء الغربيين المترددين.
  1.  على المستوى الاقتصادي
  • ازدواجية القطاعات: توتر متزايد بين قطاع الصناعات العسكرية (يفضل دولاراً قوياً) وقطاع الهايتك (يستفيد من شيكل قوي)، مما يعقّد السياسة النقدية.
  • ضعف القاعدة الصناعية: الاعتماد المفرط على الصادرات عالية التقنية مع تآكل الصناعات التحويلية التقليدية.
  • هشاشة هيكلية: ارتباط الاقتصاد بدورات الصراع والاستقرار الجيوسياسي يجعله عرضة لتقلبات حادة.
  1.  على المستوى السياسي
  • التبعية للسوق الأمريكية: الاعتماد على ناسداك وفارق الفائدة يعني أن القرارات الفيدرالية الأمريكية تؤثر مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي.
  • التناقض الأخلاقي-التجاري: الفجوة بين المواقف العامة والمشتريات الفعلية للدول تكشف هشاشة الضغوط الدولية وقابليتها للتجاوز عند الحاجة.
  • أولوية الأمن على الاقتصاد: استمرار منطق "الحرب تبيع السلاح" يعزز النزعة العسكرية في صنع القرار.

سادساً: الاستنتاجات:

  1.  نجاح التسويق لا يعني الازدهار الاقتصادي

رغم الأرقام المبهرة في الصادرات، التحديات النقدية والهيكلية تحد من الفوائد الفعلية، مما يكشف محدودية نموذج الاقتصاد المبني على الحرب.

  1. المفارقة الدولية

عودة الدول المنتقدة للشراء من إسرائيل يكشف أن الاعتبارات الأمنية تتفوق على المواقف الأخلاقية في السياسة الدولية.

  1. الهشاشة البنيوية

الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من ازدواجية خطيرة: قوة في التقنية العالية وضعف في الصناعة التقليدية، مع تبعية مفرطة للعوامل الخارجية (السوق الأمريكية، الصراعات الإقليمية).

  1. معضلة السياسة النقدية

بنك إسرائيل المركزي محاصر بين ضغوط متناقضة: المصدّرون يريدون دولاراً أقوى، قطاع الهايتك يفضل شيكلاً قوياً، والسياسة الحالية للامتناع عن التدخل غير مستدامة.

مؤشرات هامة

  • التوتر الإقليمي عامل محدد لاستدامة الطلب على السلاح
  • الشركات التقنية المتخصصة تحقق صفقات كبرى عالية القيمة
  • استمرار الصراعات له بُعد اقتصادي مباشر لصناعة السلاح الإسرائيلية
  • متابعة التناقضات بين الخطاب السياسي الغربي والتعاملات التجارية الفعلية

الخلاصة

تعيش الصناعات العسكرية الإسرائيلية مرحلة حرجة من "النجاح المعقّد"، حيث تحقق أرقاماً قياسية في التصدير لكنها تواجه ضغوطاً هيكلية متصاعدة. المعادلة الحالية غير مستدامة على المدى الطويل، والحل يتطلب إما تدخلاً نقدياً حاسماً (غير مرجح)، أو إعادة هيكلة جذرية للقطاع (مؤلمة)، أو استمرار دورة الصراعات (كارثية إنسانياً لكنها "مفيدة" اقتصادياً).

هذا الواقع يكشف التشوهات العميقة في اقتصاد يعتمد على الحرب كمحرك نمو، ويطرح أسئلة جوهرية حول استدامة هذا النموذج وتداعياته الإقليمية والدولية.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo