وجهات نظر

تسليم السلاح.. من البندقية إلى السياسة؟

تسليم السلاح
تسليم السلاح

أعاد إعلان حركة «حماس» قبولها تسليم سلاحها إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في القضية الفلسطينية، وهو مستقبل السلاح ودوره في الصراع مع إسرائيل. وقد تناول عدد من الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين والعرب هذه القضية من زوايا مختلفة، إلا أنهم التقوا عند اعتبار هذه الخطوة نقطة تحول تاريخية في مسار الحركة، مع اختلافهم في تفسير أبعادها السياسية والفكرية ومستقبل القضية الفلسطينية بعدها.

نهاية مشروع المقاومة الإسلامية

يرى الكاتب الفلسطيني مهند عبد الحميد أن قبول «حماس» بتسليم سلطتها وسلاحها يمثل نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المقاومة الإسلامية، ويعكس انهيار المشروع السياسي والعسكري الذي تبنته الحركة طوال العقدين الماضيين. ويعتبر أن السلاح الذي احتل مركز القرار الفلسطيني وأدار الحرب والهدنة انتهى إلى نتائج سياسية كارثية، بعدما أسهم – بحسب تحليله – في تعميق المأساة الفلسطينية، ومنح حكومة بنيامين نتنياهو فرصة لتوسيع الحرب وإضعاف فرص الحل السياسي.

ويؤكد عبد الحميد أن القضية لم تعد تتعلق بطريقة التخلص من السلاح، سواء بالتسليم أو التخزين أو النزع، وإنما بالدلالة السياسية لهذا القرار، الذي يعني ـ من وجهة نظره ـ هزيمة المشروع الذي رفع شعار المقاومة المسلحة، ويفرض مراجعة نقدية شاملة لتجربة استخدام القوة المسلحة مقارنة بتجارب النضال الوطني والسياسي الفلسطيني.

مراجعة فكرية

أما المفكر المصري د. عمرو الشوبكي فينظر إلى قرار تسليم السلاح بوصفه نتيجة لأزمة عميقة في البنية الفكرية والعقائدية لحركة «حماس». ويرى أن الحركة تجاهلت طويلاً نظرة المجتمع الدولي والعربي إليها، كما تجاهلت تداعيات الانقسام الفلسطيني واعتمادها على القوة المسلحة.

ويشير الشوبكي إلى أن تسليم السلاح لا يعني نهاية القضية الفلسطينية، بل يمثل هزيمة لنمط من التفكير الذي جعل العمل العسكري يتقدم على المشروع السياسي والمدني. ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب قيادات فلسطينية جديدة قادرة على مخاطبة العالم، وبناء مشروع وطني يتجاوز الانقسام التقليدي بين «حماس» والسلطة الفلسطينية، ويعيد الاعتبار للنضال السياسي والمدني باعتباره الوسيلة الأقدر على خدمة القضية الفلسطينية.

هل انتهى زمن البندقية؟

ويطرح الكاتب الفلسطيني نبيل عمرو سؤالاً محورياً: هل تمثل بندقية غزة آخر البنادق الفلسطينية؟ ويرى أن جوهر القضية لا يكمن في الطريقة التي سيتم بها تسليم السلاح، بل في انتهاء دوره التاريخي في الحالة الفلسطينية.

ويستعرض عمرو تطور العلاقة بين العمل المسلح والعمل السياسي منذ اتفاق أوسلو، معتبراً أن التجربة الفلسطينية شهدت انتقالات متكررة بين البندقية والمفاوضات، وأن التطورات الأخيرة تشير إلى انتهاء مرحلة كاملة من الاعتماد على السلاح. ومع ذلك، يؤكد أن اختفاء السلاح لا يعني نهاية القضية الفلسطينية، لأن الحقوق الوطنية تبقى قائمة، بينما ينتقل الصراع إلى ساحات العمل السياسي والدبلوماسي والشعبي، وهو ما يراه التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة.

سقوط السلاح وسقوط الرواية

من جانبه، يقدم الكاتب السعودي عبد العزيز الخميس قراءة تركز على البعد الفكري والرمزي للحدث، معتبراً أن موافقة «حماس» على نزع سلاحها تمثل اعترافاً بانتهاء مشروع "المقاومة المسلحة" الذي قامت عليه الحركة منذ تأسيسها.

ويؤكد الخميس أن الحركات لا تتخلى عن أدوات حققت لها النجاح، وإنما عن أدوات أثبتت عدم قدرتها على تحقيق أهدافها. ويرى أن قبول نزع السلاح يعني إقراراً عملياً بأن المشروع العسكري لم يحقق الوعود التي رفعها طوال عقود، وأن القضية الفلسطينية لا تفقد عدالتها بذلك، لكن التجربة تثبت – وفق رؤيته – أن نجاح القضية لا يرتبط بالضرورة بوسيلة الكفاح المسلح، بل بقدرة الفلسطينيين على اختيار أدوات سياسية أكثر فاعلية في تحقيق أهدافهم الوطنية.

نقاط الاتفاق والاختلاف

تكشف المقالات الأربع عن مساحة واسعة من الاتفاق، إذ يجمع الكتّاب على أن قرار تسليم السلاح يمثل تحولاً تاريخياً في مسيرة «حماس»، وأنه يعكس نهاية مرحلة اعتمدت فيها الحركة على العمل العسكري باعتباره الوسيلة الرئيسية لتحقيق أهدافها.

لكنهم يختلفون في تفسير أبعاد هذه النهاية؛ فمهند عبد الحميد يركز على فشل المشروع السياسي للمقاومة الإسلامية، بينما يعتبر عمرو الشوبكي أن الأزمة فكرية وعقائدية بالدرجة الأولى، ويرى نبيل عمرو أن الحدث يمثل انتقالاً تاريخياً من مرحلة البندقية إلى السياسة، في حين يذهب عبد العزيز الخميس إلى أن القرار يشكل سقوطاً للرواية التي قامت عليها الحركة طوال عقود.

تعكس هذه القراءات أن مسألة تسليم الفصائل الفلسطينية سلاحها لم تعد مجرد إجراء أمني أو بند في اتفاق سياسي، بل تحولت إلى قضية ترتبط بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وبطبيعة الوسائل التي يمكن أن يعتمدها الفلسطينيون في المرحلة المقبلة. وبين من يراها إعلاناً لهزيمة مشروع المقاومة المسلحة، ومن يعتبرها بداية مراجعة سياسية وفكرية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النضال المدني والسياسي، يبقى هذا الملف أحد أبرز التحولات التي تشهدها القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo