آخرُ من ينبغي أن يُتَّهَم، وأشرفُ من أن يُوضَع في قفص المحاسبة الجماعية، هو الغزّي؛ ذلك الإنسان الذي تحمّل الحصار والنزوح والفقد والدمار، ثم يُراد له أن يقدّم تبريراً لمعاناته، أو أن يتحمّل مسؤولية الجريمة التي ارتُكبت في حقه.
لكن ما يثير القلق اليوم يتجاوز الإساءة إلى غزة وأهلها. فهناك بوادر خطاب يتصاعد بصورة تبدو غير عفوية، يسعى إلى إثارة النعرات بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين الفلسطينيين والأردنيين، بل وبين الأردنيين أنفسهم، من خلال إعادة إنتاج تصنيفات من قبيل «الأردني الأصلي» و«الأردني من أصل فلسطيني».
تبدأ الفتنة عادةً بكلمات تبدو بسيطة: أهل هذه المنطقة مختلفون عن أهل تلك المنطقة، أو هذه الفئة أكثر وطنية ووفاءً من غيرها. ثم تتحول الجغرافيا والأصول العائلية إلى معايير أخلاقية وسياسية، ويصبح شعب واحد كأنه مجموعات متنافسة، لكل منها سرديتها ومخاوفها وخصومها.
وقد عرف التاريخ أمثلة كثيرة على استغلال السلطات الاستعمارية والمهيمنة للاختلافات داخل المجتمعات، من خلال سياسة «فرّق تسد». فجرى في حالات متعددة تضخيم الانقسامات الدينية أو العرقية أو المناطقية، ودعم وسطاء محليين، ومنح بعض الفئات امتيازات محدودة، ودفع الناس إلى الاعتقاد بأن أمن جماعة لا يتحقق إلا على حساب الجماعات الأخرى.
ومع ذلك، فإن هذه الأمثلة التاريخية بعيدة عن الحالة الفلسطينية من حيث طبيعة المجتمع ودرجة تجانسه. فالمجتمع الفلسطيني ليس مكوّناً من أعراق أو قوميات متنازعة، بل هو مجتمع شديد التجانس لغوياً وثقافياً وتاريخياً، كما أن الاختلاف الديني داخله لم يمنع المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من الانتماء إلى شعب واحد وتجربة تاريخية مشتركة.
والأمر ذاته ينطبق بدرجة كبيرة على شعوب بلاد الشام، التي تجمع بينها مستويات عميقة من التقارب الثقافي واللغوي والاجتماعي والإنساني. فقد تداخلت العائلات والمدن والأسواق والعادات على مدى قرون طويلة، وكانت الحدود السياسية الحديثة أقل عمقاً من الروابط التي نشأت بين الناس عبر التاريخ. ولهذا لا تُستحضر التجارب التاريخية الأخرى لمساواة الحالة الفلسطينية بها، وإنما للاستدلال على الطريقة التي يمكن بها تضخيم فروق محدودة وتحويلها إلى خطوط صراع مصطنعة.
الفلسطينيون ليسوا مجرد مجتمعات متجاورة أو متداخلة إنسانياً، بل هم شعب واحد أصيل، ضاربة جذوره في أرض فلسطين منذ آلاف السنين. وقد تعاقبت على فلسطين حضارات وإمبراطوريات وهجرات متعددة، كما حدث في جميع مناطق العالم، لكن ذلك لا ينفي استمرارية سكانها وانتماءهم إلى أرضهم.
والهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة لم تظهر من فراغ؛ بل تشكلت سياسياً فوق قاعدة تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة. فالغزّي والضفّاوي والمقدسي والفلسطيني في الداخل واللاجئ في الشتات ليسوا شعوباً مختلفة. إنهم أبناء شعب واحد فرّق بينهم الاحتلال والحدود والتهجير، لكنه لم يستطع أن يلغي وحدتهم التاريخية أو ذاكرتهم المشتركة.
ومن الخطأ كذلك تحويل العلاقة الفلسطينية الأردنية إلى مواجهة بين هويات متناقضة. فالأردن وفلسطين تجمعهما روابط تاريخية وعائلية وثقافية وإنسانية عميقة، ولا يحتاج الأردني إلى إنكار الفلسطيني كي يثبت أردنيته، كما لا يخدم الفلسطيني قضيته بالإساءة إلى الأردن أو إنكار هويته الوطنية. إن طرح السؤال حول «من الأصلي ومن الدخيل؟» هو بذاته المدخل الذي تحتاج إليه مشاريع التفكيك وإضعاف المجتمعات.
ولا يعني التحذير من الفتنة أن كل تعليق جاهل أو منشور مسيء صادر بالضرورة عن غرفة توجيه مركزية. فقد يكون بعضه نتيجة الجهل أو التعصب أو البحث عن الشهرة، وقد يكون بعضه منسقاً أو موجهاً. لكن تزامن هذه الخطابات واتساعها في وقت بالغ الخطورة يفرضان دق ناقوس الخطر، والبحث الجاد عمّا قد يكون وراء الأكمة، من دون الانزلاق إلى اتهامات لا تستند إلى أدلة.
كما أن الرد على التعميم بتعميم مضاد لا يحمي الوحدة الوطنية، بل يخدم خطاب الفتنة. فمن يرد على إساءة شخص من غزة بإهانة أهل غزة، أو على خطأ شخص من الضفة بإدانة الضفة كلها، أو على تصريح أردني بالإساءة إلى الأردنيين، يتحول، ولو من غير قصد، إلى جزء من المشكلة.
إن أخطر ما يمكن أن ينجح فيه الاحتلال ليس فقط السيطرة على الأرض، بل إقناع أصحابها بأنهم جماعات منفصلة ومتنافسة، وأن خصم الغزّي هو ابن الضفة، وخصم اللاجئ هو المقيم، وخصم الفلسطيني هو الأردني.
لذلك فإن حماية الوحدة ليست شعاراً عاطفياً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية. وهي لا تعني الصمت عن الأخطاء، وإنما تعني محاسبة المخطئ بصفته الفردية والسياسية، لا محاكمة شعب أو مدينة أو منطقة أو أصل اجتماعي بأكمله.
فالغزّي ليس متهماً يحتاج إلى الدفاع عن نفسه، بل هو جزء أصيل من شعب أصيل. وما أصابه ليس عاراً عليه، وإنما شاهد على حجم الجريمة الواقعة بحقه، ولو أراد لقال الكثير ولاتهم الكثير منن تخاذل. وكل خطاب يحاول تحويل مأساته إلى خصومة داخلية لا يخدم فلسطين ولا الأردن، بل يخدم فقط من يريد لشعوب المنطقة أن تبقى مفككة، خائفة، وسهلة السيطرة.
