حراك 26 يونيو: حين تتحول صرخة الجائعين إلى مصلحة إسرائيلية

حراك 26 يونيو:
حراك 26 يونيو:

هل يدار من غرفة عمليات اسرائيلية

ليست المسألة هنا إن كان سكان غزة يملكون حق الغضب. هم أكثر شعب على الأرض يملك هذا الحق. الجائع له حق الصراخ، والمشرد له حق الاحتجاج، ومن فقد بيته وأمانه وأطفاله وأبسط شروط الحياة لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يقول إن الحياة لم تعد تُحتمل. لكن السؤال السياسي الحقيقي ليس: هل يحق للناس أن يغضبوا؟ بل: من يحاول إدارة هذا الغضب؟ ومن يوجّهه؟ ومن يستفيد من انفجاره في هذه اللحظة بالذات؟

في 26 مارس 2025 نشرت صحيفة Evening Star البريطانية مقالًا بعنوان: Israel Resorts to ‘Plan B’ Toppling Hamas Rule in Gaza Through Civil War. الكاتب مذكور باسم الصحيفة نفسها، والتاريخ هو 26 March 2025. أهمية المقال لا تأتي فقط من عنوانه، بل من اللغة التي استخدمها: Plan B, civil unrest, civil disobedience,  psychological warfare, social media campaigns, crisis cell, influencers, وfull-blown civil  uprising.  هذه ليست مفردات احتجاج عفوي، بل مفردات هندسة سياسية ونفسية واجتماعية.

بحسب المقال، وبعد أكثر من ستة عشر شهرًا من الحرب، لم تستطع إسرائيل تحقيق هدفها العسكري المعلن: القضاء الكامل على حماس. لذلك، تقول الصحيفة إن إسرائيل انتقلت إلى “الخطة ب”: إضعاف حكم حماس من الداخل، لا عبر الدبابات فقط، بل عبر تفجير الغضب الاجتماعي، وتشجيع الاحتجاجات، وتضخيم خطاب داخلي مناهض لحماس على وسائل التواصل، وصولًا إلى احتمال خلق صراع داخلي أو اقتتال أهلي يضعف ما تبقى من البنية الاجتماعية والسياسية في غزة.

المقال يتحدث عن “خلية أزمة” مرتبطة، بحسب ما يزعم، بمصادر داخل الجيش الإسرائيلي، مهمتها تقويض حكم حماس عبر التحريض على الاحتجاج والعصيان المدني. ويذكر أن الخلية تعتمد على الحرب النفسية، وعلى منصات مثل X/Twitter وTelegram وFacebook، وعلى شبكة من المؤثرين والناشطين في الخارج لتضخيم الرسائل، نشر الفيديوهات، تدوير الشهادات، وتقديم الحراك كأنه صوت غزة الداخلي الصافي.

الأسماء التي يوردها المقال ليست تفصيلًا ثانويًا. فهو يشير إلى أفيخاي أدرعي بوصفه جزءًا من إدارة هذا المسار، ويذكر أسماء مؤثرين إقليميين مثل Amjad Taha وAbdulaziz Al Khamis وLoay Al Shareef، ثم يتحدث عن ناشطين فلسطينيين في أوروبا ومصر وتركيا ولندن وبلجيكا، منهم Ramzi Herzallah وHamza Al Massri وAmjad Abu Kawash وAbdalhamid Abdulati وAhmad Saeed وMohammad Abu Hajar وIbrahim Asaliya وWael Mousa. وفي منطق المقال، وظيفة هذه الشبكة ليست فقط “التعبير عن الرأي”، بل amplify anti-Hamas messaging، أي تضخيم خطاب محدد في لحظة حرب ومجاعة وانهيار اجتماعي.

هنا يجب التمييز بدقة: ليس كل من ينتقد حماس عميلًا، وليس كل غضب شعبي مؤامرة، وليس من الأخلاقي مصادرة حق الناس في الاعتراض على واقعهم. لكن من السذاجة السياسية القاتلة أن نرى هذا النوع من الحراك خارج سياقه: غزة ليست في لحظة سياسية طبيعية؛ غزة تحت حرب وتجويع وتشريد ودمار. أي حراك داخلي في هذه اللحظة لا يتحرك في فراغ، بل يتحرك فوق أرض مدمرة، وتحت طائرات الاحتلال، ووسط مجاعة، وفي ظل انهيار مؤسساتي وأمني كامل تقريبًا. لذلك يصبح السؤال: هل هذا حراك يفتح طريقًا للحياة، أم يفتح ثغرة إضافية للفوضى التي تريدها إسرائيل؟

تصريحات نتنياهو اللاحقة تجعل الصورة أوضح. لم يعد الأمر مجرد مقال مشبوه أو تسريب صحفي. نتنياهو نفسه اعترف بأن إسرائيل “فعّلت” عشائر فلسطينية في غزة تعارض حماس، وقال إن ذلك جاء بناءً على نصيحة مسؤولين أمنيين، وبهدف حماية الجنود الإسرائيليين. هذه ليست قراءة تحليلية من الخارج؛ هذا اعتراف سياسي مباشر بأن إسرائيل تستخدم أجسامًا فلسطينية محلية داخل غزة كأداة في الحرب.

ثم جاءت التقارير عن جماعات مسلحة محلية، مثل مجموعة ياسر أبو شباب في رفح، لتكشف جانبًا آخر من الخطة: خلق بدائل ميدانية مسلحة أو شبه مسلحة تعمل في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي أو يتحكم بحركتها، وتُقدَّم أحيانًا تحت عنوان “حماية المساعدات”، بينما تُتهم في الوقت نفسه بالنهب والتعاون مع الاحتلال. هذا هو أخطر ما في المشهد: أن تتحول المساعدة الإنسانية نفسها إلى أداة فرز أمني، وأن يتحول الجوع إلى وسيلة إدارة سياسية، وأن تُستخدم العشائر والميليشيات كبديل عن المؤسسات الوطنية.

تصريح سموتريتش لا يقل أهمية. حين يقول وزير إسرائيلي إن غزة ستكون “مدمرة بالكامل”، وإن سكانها سيُحصرون في مساحة ضيقة، فإننا لا نكون أمام انفعال لفظي، بل أمام تصور سياسي: تدمير المكان، ضغط السكان، تفكيك المجتمع، ثم البحث عن أدوات محلية لإدارة الخراب. في هذا السياق، يصبح الاقتتال الداخلي ليس نتيجة جانبية، بل مصلحة إسرائيلية مركزية. فإسرائيل التي لم تستطع حسم غزة عسكريًا تريد غزة مفككة اجتماعيًا، منهكة سياسيًا، متناحرة داخليًا، ومشغولة بذاتها بدل أن تكون موحدة في مواجهة الاحتلال والحصار والتجويع.

من هنا يجب قراءة حراك 26 يونيو بحذر بالغ. الدعوات المعلنة تتحدث عن الحياة الكريمة، وحق الشعب في تقرير مصيره، ورفض الانهيار. هذه مطالب عادلة في ذاتها. لكن عدالة المطالب لا تلغي خطورة التوقيت، ولا تلغي سؤال التمويل، ولا سؤال المنصات، ولا سؤال التضخيم الإعلامي، ولا سؤال الجهات التي تحتفي بهذا الحراك وتدفعه إلى الواجهة. حين يكون معظم الداعين من خارج القطاع، بينما من سيدفع الثمن موجودون داخل الخيام وتحت النار والجوع، يصبح السؤال الأخلاقي مضاعفًا: من يقرر؟ ومن يغامر؟ ومن يموت إذا انفلت الشارع؟

المشكلة ليست في أن الفلسطيني يصرخ ضد الجوع أو ضد القمع أو ضد الفشل السياسي. المشكلة أن إسرائيل تريد تحويل هذه الصرخة إلى سلاح ضد المجتمع نفسه. تريد تحويل الغضب من الاحتلال إلى الداخل فقط، وتحويل الضحية إلى متهمة، وتحويل الجوعى إلى خصوم، وتحويل العشائر إلى أدوات، وتحويل المساعدات إلى نقاط ضبط، وتحويل المؤثرين إلى قنوات تعبئة نفسية. هذه هي “الخطة ب”: ليس فقط إسقاط حماس، بل إسقاط غزة في نفسها.

الطرف الوحيد الذي يربح من اقتتال الفلسطينيين في غزة اليوم هو إسرائيل. لا يربح الجائع إذا تقاتل مع جائع آخر. لا يربح النازح إذا احترقت الخيمة المجاورة. لا تربح العائلة التي فقدت بيتها إذا تحولت الشوارع إلى ساحات تصفية داخلية. ولا تربح القضية الفلسطينية إذا انتقل مركز الغضب من منظومة الاحتلال والحصار والتجويع إلى صراع داخلي تريده إسرائيل وتنتظره وتملك أدوات استثماره.

لذلك، نعم، يملك أهل غزة حق الغضب. لكن لا يجوز أن يُختطف هذا الغضب. يملكون حق المطالبة بحياة كريمة، لكن لا يجوز أن تُدار مطالبهم عبر غرف عمليات إعلامية، أو مؤثرين في الخارج، أو أجندات إسرائيلية معلنة وغير معلنة. يملكون حق النقد، لكن ليس حق أحد أن يدفعهم نحو فتنة يكون الاحتلال هو المستفيد الأول منها.

حراك 26 يونيو، في ظل هذه المؤشرات، لا يمكن قراءته كحدث بريء ومنفصل. هو يقع في نقطة تقاطع خطيرة بين مقال تحدث صراحة عن Plan B، واعتراف نتنياهو بتفعيل عشائر داخل غزة، وتصريحات سموتريتش عن تدمير القطاع وحصر سكانه، وظهور ميليشيات محلية تعمل في مناطق يسيطر عليها الاحتلال، وحملة رقمية تقودها أو تضخمها شخصيات موجودة خارج القطاع. هذه ليست مصادفات متفرقة؛ إنها نمط سياسي واضح.

الخلاصة أن غزة لا تحتاج إلى حرب داخل الحرب. لا تحتاج إلى فتنة فوق المجاعة. لا تحتاج إلى تحويل الضحايا إلى وقود لخطة إسرائيلية جديدة بعد فشل الحسم العسكري. ما تحتاجه غزة هو وقف الحرب، إنهاء التجويع، حماية المجتمع، رفض الميليشيات المرتبطة بالاحتلال، وبناء مسار وطني يحاسب الجميع دون أن يفتح الباب أمام الاقتتال. أما كل حراك يدفع الناس إلى مواجهة داخلية تحت القصف والجوع، فهو، مهما كانت شعاراته، يخدم في النهاية الطرف الذي يريد غزة مدمرة ومقسمة ومنهكة: الاحتلال الإسرائيلي.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo