إسرائيل بعد ألف يوم من الحروب.. استنزاف مستمر أم تسوية إقليمية

جنود جيش الاحتلال
جنود جيش الاحتلال

أطول استنزاف

بعد مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول 2023، تشير التحليلات الإسرائيلية، وفي مقدمتها تحليل عاموس هرئيل في "هآرتس"، إلى أن إسرائيل تعيش أطول استنزاف عسكري واقتصادي واجتماعي في تاريخها من دون تحقيق حسم حقيقي في أي جبهة.

وتحوّلت المعارك من مواجهات محدودة إلى حرب استنزاف شاملة، وقد جاءت اتفاقيات وقف إطلاق النار (غزة في تشرين الأول 2025، وإيران ولبنان في حزيران 2026) بضغط أميركي مباشر من إدارة ترامب، لا كنتيجة لحسم إسرائيلي.

والمؤشر الأبرز على هذا التحول هو انتقال خطاب نتنياهو من "النصر المطلق" إلى تبنٍّ ضمني لفكرة حرب دائمة، مع طرح بديل قائم على مناطق أمنية عازلة في لبنان وسوريا وغزة.

بدون حسم استراتيجي

وفق ما يعرضه مئير بن شبات، حققت إسرائيل إنجازات ملموسة: استعادة عدد من المخطوفين، تدمير نحو 70% من مساحة القطاع، السيطرة على "الخط الأصفر" المتوسع، والقضاء على قيادات بارزة في حماس. لكن هذه الإنجازات لم تُترجم إلى حسم فعلي، إذ لا تزال حماس تسيطر على السكان وتحتفظ بسلاحها، في وقت تدفع فيه الولايات المتحدة نحو الانتقال إلى مرحلة الإعمار وتمنع العودة إلى حرب عالية الكثافة. الخلاصة التي يقدمها بن شبات نفسه هي أن المهمة لم تكتمل، وأن تفكيك حماس يبقى هدفًا معلقًا.

لبنان: مخاطر التسويات الإقليمية

على هذه الجبهة، جرى إحباط مخططات حزب الله، والقضاء على أمينه العام السابق حسن نصر الله وعدد من قادته، إلى جانب سيطرة عسكرية ممتدة حتى نهر الليطاني. كما أن الترتيبات الأخيرة — مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية والاتفاق الإطاري مع لبنان — تمنح الجيش الإسرائيلي هامشًا لمواصلة استهداف حزب الله وبنيته التحتية مع تقليص الانتقادات الدولية. غير أن هذا المكسب مشروط وهشّ، إذ يحذّر المحللون من أن أي تفاهم إقليمي كبير مع إيران قد يتضمن مقايضات تُفوّت فرصة الحسم في لبنان أيضًا.

التهديد النووي.. هل إنتهى؟

تصريحات رئيس الأركان إيال زامير تؤكد أن إيران لا تزال المحور الأساسي للجهوزية العسكرية الإسرائيلية، ما يعني استمرار التخطيط لمواجهة محتملة موازاة للمفاوضات الإيرانية-الأميركية الممتدة. وتذهب تحليلات أخرى إلى ما هو أبعد، معتبرة أن الحرب الأخيرة على إيران، رغم استمرارها نحو ثلاثة أشهر ونصف، لم تحقق جدوى استراتيجية، بل خرج منها النظام الإيراني في موقع أقوى بعد التفاهمات اللاحقة، فيما أحدثت شرخًا في العلاقة مع واشنطن.

أزمات داخلية

1- أزمة القوى البشرية

يواجه الجيش الإسرائيلي عجزًا حادًا يُقدَّر بعشرات آلاف الجنود نتيجة الإنهاك وطول الخدمة الاحتياطية، ما يجعل الانتشار الدائم على جبهات متعددة عبئًا ثقيلًا على المجتمع والاقتصاد. وتصطدم محاولات إصلاح منظومة التجنيد بالقيود السياسية المرتبطة بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.

2- "اليوم التالي".. متى؟

لا تزال إسرائيل تفتقر إلى أفق سياسي واضح، خصوصًا في غزة، حيث يرى محللون أن التمسك بالحلول العسكرية التكتيكية دون بديل حوكمي مدني حوّل كل إنجاز عسكري إلى مقدمة لجولة قتال جديدة بدلًا من أن يكون خاتمة للصراع.

3- حدود ساخنة

يشير بن شبات إلى مخاطر متصاعدة عند حدود مصر والأردن، حيث تُستخدم ثغرات حدودية لتهريب طائرات مسيّرة محمّلة بالسلاح بشكل شبه يومي، مع وصول جزء كبير منها إلى مخازن جاهزة داخل الوسط البدوي.

إلى أين؟

تقف إسرائيل، في منتصف عام 2026 وبعد ألف يوم من أطول حرب في تاريخها، أمام معضلة بنيوية: الأدوات العسكرية التقليدية لم تعد كافية لإنتاج صورة نصر واضحة، بينما تتقاطع الأزمات على الجبهات الأربع (غزة، لبنان، إيران، والحدود الجنوبية-الشرقية) مع أزمات داخلية في القوى البشرية والرؤية السياسية. يبقى المستقبل معلقًا بين مسارين: استمرار الاستنزاف اللانهائي كأمر واقع تتكيف معه الحكومة الحالية، أو الانتقال نحو قرارات سياسية إقليمية كبرى — وهو خيار تتجنبه حكومة اليمين المتطرف حرصًا على تماسك ائتلافها.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo