تمر العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بمرحلة فارقة غير مسبوقة؛ إذ تراجعت الحماية الدبلوماسية الهيكلية التي تمتعت بها إسرائيل لعقود، وتتقدم ضدها مسارات ضغط متوازية تجمع بين ملفات حقوق الإنسان وانتهاكات العقوبات على روسيا. والسؤال المحوري اليوم: هل تصمد اتفاقية الشراكة الموقعة عام 2000، أم نحن أمام مشهد مختلف نوعياً؟
ما الذي تغيّر؟
لعقود، اعتمدت إسرائيل على ثلاثة دروع داخل الاتحاد الأوروبي: الفيتو المجري بقيادة أوربان، والدعم الألماني المستند إلى الذاكرة التاريخية، والموقف الإيطالي الصامت.
اليوم سقط الدرع الأول تماماً مع هزيمة أوربان انتخابياً، ويتصدع الثالث إثر الحادثة اللبنانية مع قوات اليونيفيل، فيما يخضع الدرع الألماني لضغوط متصاعدة من الرأي العام والبرلمان.
يُضاف إلى ذلك متغير جديد كلياً: ورطة الحبوب الأوكرانية التي تجاوزت الملف الأخلاقي-الإنساني إلى ملف السلامة القانونية لمنظومة العقوبات الأوروبية على روسيا. هذا الملف يُقلق دولاً كانت متحفظة على العقوبات بحجة «تعقيد غزة»، فوجدت نفسها أمام مبرر أوضح وأقل إشكالية سياسية.
عوامل الضغط والتحصين
عوامل تُصعِّد الضغط على إسرائيل
- سقوط الفيتو المجري مع رحيل أوربان
- تحول إيطاليا ودول وسط أوروبا
- قضية الحبوب الأوكرانية — ذريعة جديدة
- تنامي الرأي العام المؤيد للفلسطينيين
- ارتباط نتنياهو بترمب يُنفّر الوسط الأوروبي
- تداعيات حرب إيران على الاقتصاد الأوروبي
عوامل تُبطئ مسار العقوبات
- ألمانيا لا تزال حجر عثرة بنفوذها الديموغرافي
- الإجماع شرط للتعليق الكامل - معيار صعب
- انتخابات إسرائيل في أكتوبر تُعطي مبرراً للانتظار
- الاتحاد الأوروبي يتجنب التصعيد قبل رؤية نتائجها
- التبادل التجاري 42.6 مليار يورو — ضغط اقتصادي معاكس
السيناريوهات المحتملة وحجمها
سيناريو مرجّح : توسيع عقوبات الاستيطان وتقييد التعاون الدفاعي
حظر سفر وتجميد أصول أفراد. لا يحتاج إجماعاً. رمزي لكن ذو أثر تراكمي على خطاب الضم والاستيطان
سيناريو متوسط: تعليق جزئي للقسم التجاري من الاتفاقية
يحتاج أغلبية مؤهلة لا إجماعاً. مشروط بتحول إيطالي رسمي أو تراجع ألماني. يضرب 42 مليار يورو من التبادل
سيناريو بعيد: تعليق كامل لاتفاقية الشراكة
يستلزم إجماع 27 دولة. غير مرجح قريباً، لكنه ليس مستبعداً إذا استمرت السياسات الإسرائيلية على حالها
الانتخابات الإسرائيلي - فرصة أم ذريعة؟
انتخابات أكتوبر 2026 تحمل وجهين في آن واحد: فمن جهة، تمنح الدول الأوروبية المترددة — كألمانيا — مسوّغاً للتريث وعدم التصعيد، على أمل أن تُفرز حكومة أكثر مرونة. ومن جهة أخرى، إذا نجح تحالف بينيت-لبيد فعلاً، فإن المشهد الأوروبي-الإسرائيلي سيشهد تهدئة نسبية بخروج سموتريتش وبن غفير — أبرز عاملَي الاستفزاز في المعادلة الأوروبية.
غير أن هذا التفاؤل ينبغي تقييده: استطلاعات الرأي تُظهر رفضاً إسرائيلياً واسعاً لقيام دولة فلسطينية، مما يعني أن أي حكومة قادمة ستحتفظ بالخطوط الحمراء ذاتها وإن خفّفت لهجتها.
خلاصة:
تتجه العلاقة الأوروبية-الإسرائيلية نحو مرحلة تآكل تدريجي لا انهيار مفاجئ. الأرجح في المدى القريب هو تصاعد العقوبات الفردية المستهدفة للمستوطنين، وتقييد التعاون الدفاعي في أكثر من عاصمة أوروبية. أما التعليق الكامل للاتفاقية فيبقى أداةً للضغط أكثر منه قراراً وشيكاً.
المشهد الأدق: إسرائيل لم تعد تملك شبكة أمان دبلوماسية داخل أوروبا، وكل خطوة استفزازية إضافية — في الاستيطان أو الأوضاع الإنسانية — تُقرّب ساعة التصعيد الجدي، بصرف النظر عمّن يحكم في تل أبيب.
