أكثر من تايوان وإيران

الصحافة الإسرائيلية ترصد زيارة ترامب إلى الصين: حسابات دقيقة تضبط المصالح المعقدة

الرئيسان الصيني والأمريكي
الرئيسان الصيني والأمريكي

تشكل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في الوقت الحالي لحظة حاسمة في العلاقات بين القوتين العظميين. وتأتي هذه الزيارة في سياق تصاعد التوترات الإقليمية، وخاصة حول إيران والشرق الأوسط، بالإضافة إلى الخلافات التجارية والاقتصادية المستمرة. وكما يوضح رون بن يشاي في مقاله المنشور في صحيفة يديعوت العبرية المرموقة، فإن هذه الزيارة تعكس محاولة حقيقية من قبل الإدارة الأمريكية لتعديل المسار مع بكين، لكن النتائج قد تخيب آمال الرئيس الأمريكي.

الأهداف الأمريكية: بين الطموح والواقع

يسعى ترامب للحصول على دعم صيني حقيقي في ثلاثة ملفات رئيسية:

أولاً، الملف الاقتصادي والتجاري، حيث يطالب الصين بزيادة شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، وخاصة فول الصويا واللحوم، بالإضافة إلى مشتريات من طائرات بوينج وصادرات المعادن النادرة.

ثانياً، قضية تايوان، التي تمثل مصدر قلق دائم في العلاقات بين البلدين.

ثالثاً، الملف الإيراني، حيث يرغب ترامب في استقطاب الصين لممارسة ضغط على طهران لتخفيف مواقفها في المفاوضات الجارية.

وكما يشير إيال بروفر في مقاله بصحيفة هآرتس، فإن الصين لديها فهم دقيق لاستراتيجية ترامب. فقد استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ ترامب في زيارته السابقة عام 2017 باحتفاوات رسمية فخمة في المدينة المحرمة، غير أن السنوات التالية شهدت تصعيداً حاداً من قبل إدارة ترامب، تضمن حرباً تجارية، وعقوبات على شركات صينية، وانسحاباً من الاتفاق النووي الإيراني الذي كانت الصين طرفاً فيه.

الأولويات الصينية: تايوان فوق كل شيء

أما بالنسبة للصين، فإن الأولوية الحقيقية تختلف تماماً عما يتوقعه الأمريكيون. فقد أوضحت بكين من خلال وزيرها للخارجية أن قضية تايوان تمثل "المسألة الأخطر في العلاقات الثنائية". وبترجمة من لغة الدبلوماسية الصينية، كما يذكر بروفر في هآرتس، فإن ما تطلبه الصين هو تصريح أمريكي واضح يؤكد مبدأ "الصين الواحدة"، وتخفيف المخاوف الصينية من خطوات استقلالية تقوم بها تايوان، وربما تقليص مبيعات الأسلحة الأمريكية للجزيرة. وفي مقابل ذلك، قد تظهر الصين مرونة في القضايا الأخرى.

معضلة الملف الإيراني: الاقتصاد يحكم السياسة

يبدو أن الصين لن تلبي الطلب الأمريكي بممارسة ضغط كبير على إيران. وكما يشرح بن يشاي في يديعوت، فإن موقف الصين تجاه إيران ينبع من دوافع اقتصادية بحتة. فالصين هي المستورد الرئيس للنفط الخام المهرب من إيران رغم العقوبات الأمريكية، ولديها اتفاقية طويلة الأمد مع إيران بقيمة 400 مليار دولار على مدى 25 سنة للتجارة والاستثمار في البنية التحتية. كما أن الصين زودت إيران خلال الحرب الأخيرة بمواد كيميائية للمتفجرات وقطع غيار للطائرات المسيرة ووقود الصواريخ الباليستية.

من المعروف أيضاً أن الصين استمرت في استيراد النفط المهرب من إيران حتى فرض الحصار الأمريكي، الأمر الذي دفع واشنطن إلى فرض عقوبات على مصافي التكرير الصينية التي كانت تشتري النفط الإيراني بأسعار زهيدة جداً وتدفع للإيرانيين باليوان الصيني، مما يلزم الإيرانيين بشراء البضائع من الصين فقط.

حساب التكاليف والفوائد

لكن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو. فللصين مصالح أكبر في الخليج العربي قد تدفعها نحو دعم الرؤية الأمريكية. حسب البحوث الدولية، تبلغ قيمة التجارة السنوية الصينية مع الإمارات حوالي 95-100 مليار دولار، ومع السعودية نحو 97 مليار دولار. في المقابل، تراوحت التجارة الصينية مع إيران في 2023 بين 30-40 مليار دولار، بما فيها النفط المهرب. وبعبارة أخرى، الحفاظ على علاقات جيدة مع الإمارات والسعودية يفوق اقتصادياً مصلحة الصين في إيران.

علاوة على ذلك، أشار بن يشاي في يديعوت إلى أن لدى الصين احتياطيات نفطية ضخمة تكفي لدعم الاقتصاد لستة أشهر على الأقل، مما يعني أنها ليست في حاجة ماسة لتحرير مضيق هرمز أمام الملاحة، كما يطمح الأمريكيون. لذلك من المرجح أن تكون الصين ليست متحمسة إطلاقاً لمساعدة الأميركيين على فتح المضيق، خاصة إذا كان ذلك سيؤدي إلى اتفاق يحقق المصالحة بين إيران والولايات المتحدة وينهي سيطرة الصين على الاقتصاد الإيراني.

ثقة مفقودة وندوب باقية

لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن السياق التاريخي. بعد الزيارة الرسمية الفخمة لترامب عام 2017، عاد الرئيس إلى واشنطن وشن حرباً تجارية شرسة، وفرض عقوبات على الشركات الصينية. كما أنه انسحب بشكل أحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني، الاتفاق الذي ساعد الرئيس الصيني نفسه في التوسط فيه.

وبلغ التوتر ذروته عام 2018 عندما تم اعتقال منغ وانزو، ابنة مؤسس هواوي والمديرة المالية للشركة، في كندا بناءً على طلب أمريكي. وكما يذكر بروفر في هآرتس، كان ترامب يدرك أهمية منغ في النخبة الصينية، حتى أنه وصفها في أحاديثه الخاصة بـ "إيفانكا ترامب الصينية". اعتبرت الصين هذه الخطوة ضربة موجعة تحت الحزام.

"الأسلوب الصيني"

توقع بروفر في هآرتس أن الصين ستظهر مرونة "بالأسلوب الصيني"، أي التقدم قليلاً نحو الولايات المتحدة دون المساس بالمصالح الصينية الحقيقية. وقد يعني هذا وعوداً صينية باستخدام نفوذها "من وراء الكواليس" لدفع إيران نحو المرونة في المفاوضات. لكن هذا الدعم سيكون محدوداً ومشروطاً بحصول الصين على ما تريده بخصوص تايوان.

وأشار بروفر أيضاً إلى أن الطرفين قد بدآ بالفعل العمل خلف الكواليس على صيغ يمكن عرضها كنجاحات خلال الزيارة، خاصة بعد المحادثة التحضيرية بين وزيرَي التجارة في القوتين وزيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين.

الخطوات العسكرية

من المرجح أن يكون ترامب حراً في اتخاذ قراره بشأن الخطوات العسكرية التالية ضد إيران بعد هذه الزيارة، كما يؤكد بن يشاي في يديعوت. يبدو المسار المفضل لترامب هو تجديد عملية "مشروع الحرية" لفتح مضيق هرمز أمام السفن غير الإيرانية، مع توفير حماية بحرية أمريكية مكثفة، بما في ذلك غواصات نووية مسلحة بصواريخ توماهوك. وفي حالة تحرك إيراني ضد هذه السفن، من المحتمل جداً أن تتسع دائرة الصراع وتتدخل إسرائيل أيضاً في العمليات.

توقعات محدودة

يتفق المحللان بن يشاي في صحيفة يديعوت وبروفر في هآرتس على استنتاج واحد حاسم: ترامب على الأرجح لن يحصل على كل ما يريده من الرئيس الصيني. قد يحصل على وعود صينية باستخدام نفوذها الخفي لدفع إيران نحو المرونة، وقد تحقق الصين بعض المكاسب في ملف تايوان، لكن الصين لن تتخلى عن مصالحها الاقتصادية الحقيقية لإرضاء الطموحات الأمريكية.

كما يختم بروفر في هآرتس تحليله: "الصينيون لن يقبلوا أقل من ذلك". وفي المقابل، لن يصدر أي خبر بارز من بكين، كما يتوقع بن يشاي في يديعوت، يشير إلى تنازلات حقيقية من الصين.

إن هذه الزيارة تعكس الواقع الجديد للعلاقات الدولية: عصر تنافسي حاد بين القوى العظمى، حيث الدول الأخرى، سواء كانت إيران أو تايوان، قد تجد نفسها محضراً مضطراً في لعبة مفاوضات يتم فيها تبادل المصالح بحساب بارد ودقيق. وإظهار تعاون علني بين زعيمَي القوتين العظمَيين، كما يرى بروفر، قد يساعد على تخفيف التوتر العالمي ولو قليلاً، لكن هذا لن يأتي إلا بثمن مرتفع يتطلب من الطرف الأمريكي تقديم التنازلات التي تطلبها الصين بخصوص تايوان وملفات أخرى حساسة.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo