قطاع غزة بوضعه الحالي بعد حرب الإبادة ونتيجة الاتفاق الدولي وعلاقة حركة حماس بالمحور الإيراني يجعل حرب إيران تلقي بظلالها على هذه البقعة الهشة والحساسة نتيجة المتغيرات الإقليمية، ويرى د. إبراهيم فريد عسلية الأكاديمي والإعلامي أن الحرب الدائرة حالياً تُلقي بظلالها السلبية على القضية الفلسطينية برمّتها، وعلى غزة وحركة حماس بشكل خاص فغزة ليست معزولة عن سياقها الجغرافي والسياسي، إذ تُمثّل جزءاً لا يتجزأ من الإقليم والمنطقة العربية الأوسع.
وتوقع د. عسلية في حديث مع "زوايا" أن تتراجع القضية الفلسطينية في المحافل الدولية تراجعاً ملحوظاً مقارنةً بالمراحل السابقة، مشيراً إلى أن انشغال الفاعلين الدوليين بالتطورات المتسارعة في المنطقة سيُخفّف من الزخم الذي اكتسبته القضية في السنوات الأخيرة.
ضربة موجعة
ووصف عسيلة الحرب على إيران بأنها ضربة موجعة لحركة حماس، من خلال اضعاف أكبر داعم لها في المنطقة مما جعل الحركة أمام مفترق طرق حاسم؛ فلا مستقبل لها في حكم غزة أو إدارتها ما لم تنسجم مع المتطلبات الدولية، داعيا حركة حماس لاغتنام فرصة العفو التي منحها إياها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبراً إياها نافذةً نادرة قد لا تتكرر، وباباً للخروج من العزلة السياسية وإعادة التموضع ضمن المعادلات الإقليمية الجديدة.
وأبدى الأكاديمي الإعلامي تفاؤلاً بمستقبل سكان غزة، بعد تراجع النفوذ الإيراني ورفع يد طهران عن الشأن الفلسطيني الأمر الذي سيُشكّل نقطة تحول إيجابية تُفسح المجال أمام مسيرة الإعمار وتحقيق الحياة الكريمة، في ظل رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط.
غزة خارج الأولويات
بدوره يرى المحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن الحرب أسهمت بشكل مباشر في إخراج قطاع غزة من دائرة الاهتمام الدولي، مشيراً إلى أن الكارثة الإنسانية المتواصلة باتت بلا صوت في ظل انشغال العالم بالمشهد الإيراني. خاصة أن إسرائيل لم تغيّر شيئاً من سياستها الميدانية، إذ يواصل جيشها السيطرة على نصف القطاع مع استمرار إغلاق المعابر وتقييد المساعدات بصورة مُحكمة، في غياب شبه تام لأي ضغط دولي أو عربي.
وأضاف إبراهيم لـ "زوايا" أنه رغم مرور مئة وخمسين يوماً على وقف إطلاق النار دون إحراز أي خطوة نحو عودة اللجنة الإدارية إلى غزة أو البدء بإعادة الإعمار، في حين يتمسك نتنياهو بشرط نزع سلاح حماس مدخلاً إلزامياً لأي تقدم، متجاوزاً بذلك ما نص عليه قرار مجلس الأمن من ضرورة البدء بالانسحاب الإسرائيلي أولاً.
توازنات جديدة ومؤثرة
وأوضح أن غزة تسير نحو مزيد من العزلة، فإيران المنهكة في مواجهة وجودها لم تعد قادرة على تقديم أي دعم، فيما تجمع دول خليجية فاعلة على ضرورة إقصاء حماس من المشهد السياسي والإداري، مما يجعل القطاع أمام مرحلة بالغة الخطورة في ظل صمت دولي مطبق.
أما الباحث السياسي د. صلاح عبد العاطي أن الحرب التي تقودها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران تمثل تحوّلاً استراتيجياً قد يعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، مع تداعيات مباشرة على فلسطين، خاصة قطاع غزة وحركة حماس.
وأوضح عبد العاطي "زوايا" أن التصعيد الإقليمي يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية وسياساتها في غزة دون ضغوط دولية كافية، واستغلال انشغال المجتمع الدولي بالحرب لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، سواء عبر تكثيف عملياتها العسكرية في غزة أو فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في القطاع.
حماس بين خيارين
وأضاف عبد العاطي أن الحرب تؤدي إلى إضعاف البيئة الاستراتيجية الداعمة للمقاومة إذا تعرضت إيران لضربات تقلّص قدرتها على دعم حلفائها، بينما قد يعزز صمودها أو قدرتها على الرد توازنات الردع في المنطقة.
ورأى أنه في حال توسعت المواجهة إقليمياً، قد تتحول غزة إلى ساحة ضغط ضمن الصراع الأوسع، ما يضع حماس أمام معادلة صعبة في علاقاتها مع تركيا ودول الخليج وخاصة قطر، أو بانتظار نتائج الحرب، مؤكدا أن أي حرب إقليمية واسعة ستفاقم الأزمة الإنسانية في غزة نتيجة اضطراب المساعدات والتمويل الإنساني وانشغال العالم بالحرب الدائرة.
وتوقع أن الحرب على إيران تمنح إسرائيل فرصة لتشديد الضغط على غزة وحماس على المدى القصير، لكنها في المدى الأبعد ستتوقف نتائجها على مآلات الصراع الإقليمي وما إذا كان سيعيد ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية أو يفتح الباب لتوازنات إقليمية جديدة قد تعيد طرح القضية الفلسطينية بقوة.
