نجحت إيران في استخدام حركتي حماس والجهاد الاسلامي في تحويل غزة إلى قاعدة عسكرية إيرانية تطلق مواسيرها تبعا للتوقيت والمصلحة الايرانية، دون أن يكون للمصلحة الوطنية الفلسطينية أو مصلحة السكان اي اعتبار أو اهتمام، لم تبني إيران يوما مستشفى او مدرسة، ولم تعبد طريق ولم ترمم مساكن السكان، التي تدمرت بسبب قاعدتها العسكرية على أرض غزة.
شهريا كانت تنفق إيران على هذه القاعدة العسكرية 30 مليون دولار، تستخدم في بناء الانفاق والتجهيزات، إضافة إلى ما تقدمه للفصائل من أسلحة خردة لا تسمن ولا تغني من جوع. ساهمت قطر في بناء وتعزيز هذه القاعدة من خلال ال 30 مليون دولار التي كانت تصل عبر تل أبيب في الحقائب مباشرة إلى حركة حماس.
هذا الكلام ليس اكتشافا وليس فيه اي جديد، لقد سبق أن قلناه وقاله غيرنا عشرات المرات، لقد تصدى النشطاء أبناء غزة لهذه القاعدة بأجسادهم العارية وكلماتهم المكررة، دون أن يستمع إليهم الكثير.
لم تقدر الأنظمة العربية ولا السلطة الفلسطينية خطورة هذه القاعدة الإيرانية على أمن السلطة الفلسطينية ومشروعها الوطني في بقائها وقيام دولتها، كما لم تعي الأنظمة العربية خطورة هذه القاعدة الإيرانية على أمن واستقرار الدول العربية الرئيسية في المنطقة.
لقد ساهمت اسرائيل وإعلام قناة الجزيرة القطري في تسويق هذه القاعدة والنفخ في قوتها وإمكانياتها وصولا إلى رفع الشعار "نغزو ولا نغزى"، سوق هذا الشعار أحد المثقفين التابعين لفكر القاعدة الإيرانية الذي رأى بعد جولة له في الإنفاق أن المرحلة القادمة ستتمكن هذه القاعدة من التمدد شمالا وتحرير أراض فلسطينية من داخل اسرائيل.
هذا التهييج الإعلامي لعب دورا في حرف بوصلة ومفاهيم اغلب المثقفين الذين رأوا في هذه القاعدة مشروعا للمقاومة يستحق الدعم والتأييد، لم ير هؤلاء المثقفون خطر هذه القاعدة على الوجود الوطني الفلسطيني، لذلك برروا وجودها وواصلوا اتهماتهم للسلطة الفلسطينية بمعاداة المقاومة. حتى أن الأستاذ عادل الاسطة كتب اليوم الأحد 22 فبراير 2026، بعد كل هذا الدمار، مقالا مختصره لو أن حماس استقبلت نتنياهو بالورود لفعلت اسرائيل في غزة ما فعلت، تبرير فج وغير موضوعي من استاذ وكاتب نحترمه كثيرا لمسؤولية حماس عما حصل في غزة من تدمير وإبادة.
المجتمع الفلسطيني لم يعادي القاعدة الإيرانية بل قبل بالأمر الواقع وانخرط أبناء غزة العاطلين عن العمل في حفر الأنفاق مقابل 20 شيكل في اليوم، رغم أن معظم هؤلاء الغلابة أصيبوا بالتهابات في المفاصل من طول ساعات العمل التي قضوها تحت الارض يحفرون بادواتهم البدائية في الطين والرمال لبناء شبكة الأنفاق التي امتدت من تحت بيوت ومنشأت أهل غزة وتسببت في سقوط بعضها، دون أن يستطيع أحد أن يشتكي أو يفتح فمه بكلمة.
تضافرت جهود الجميع في إنجاح وجود القاعدة الإيرانية في غزة، إيران وقطر بالدعم المالي، اسرائيل والجزيرة بالنفخ الاعلامي، السلطة والأنظمة العربية بالصمت المطبق، والمثقفين بالتسويق والتصفيق والتبرير، وأهل غزة بالقبول بالأمر الواقع وفتات ما تقدمه هذه القاعدة من أجور لعمال الإنفاق ومساعدات وكابونات للخاصة منهم.
تدمرت غزة وتدمرت القاعدة الإيرانية كما توقعنا وحذرنا منذ 2017، دون أن يستمع احد لنا، وكانت هذه القاعدة الإيرانية سببا ومقدمة لوجود القاعدة الأمريكية على أرض جنوب قطاع غزة، قاعدة على مئات الأفدنة من الأرض، تحتوى أماكن إقامة وتدريب ومخازن للأسلحة وأجهزة متابعة ومراقبة.
ماذا سيكون تأثير هذه القاعدة الأمريكية على مستقبل أهل غزة وبقائهم على ارضهم، وما تأثيرها على مستقبل المشروع الفلسطيني، وهو تأثيرها على أمن المنطقة واستقرار دولها.
كل من تعامى عن وجود القاعدة الإيرانية في غزة يتحمل مسؤولية بناء القاعدة الأمريكية على أرض غزة، ومن لم يدفع ثمن وجود القاعدة الإيرانية سيدفع ثمن وجود القاعدة الأمريكية على أرض غزة.
