ورقة اقتصادية: المساعدات الأمريكية للسلطة "إغراء بالمال لتسكين الصراع"

محمود عباس وبايدن
محمود عباس وبايدن

في السابع من إبريل عام 2021 الماضي أعلنت الإدارة الأمريكية برئاسة "جون بايدن" استئناف مساعداتها المالية للفلسطينيين التي توقفت في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب"، وشملت حزمة المساعدات حينها 150 مليون دولار مساعدات الإنسانية للأونروا و75 مليون دولار مساعدات اقتصادية وتنموية في قطاع غزة والضفة الغربية و10 ملايين دولار لبرامج دعم السلام عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

المستجدات والتحولات التي عصفت بالسياسة الأمريكية دفعت المعاهد والمؤسسات الاقتصادية المختصة إلى متابعة شكل ومُحدّدات هذه السّياسية، لا سيّما بالمقارنة بالنسقِ القديم حيث تفاقمت الأوضاع إثر إنهاء المساعدات الأمريكيّة المباشرة والرّاسخة للسّلطة الفلسطينيّة بموجب تشريعات صارمة لمكافحة الإرهاب في عهد إدارة "ترامب"، بما في ذلك المُساعدات الخاصّة بوكالة الأمم المتحدّة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

ورأت ورقة أعدها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" وحملت عنوان "استئناف المساعدات الأمريكيّة لفلسطين في عهد بايدن: خَمْر عتيقة فِي زِقَاق عَتِيقَة" أن المساعدات الإنسانية المقدمة من الولايات المتحدة، بما فيها تمويل الأونروا، هي مساعدات ذات طابع سياسي وذات أجندات محددة، وهناك تناقض كبير بين هدف الولايات المتحدة المعلن وهو حل الدولتين، وبين نهجها العملي حاليا على أرض الواقع، والمتمثل بتقديم الدعم لإسرائيل على حساب فلسطين.

كما رأت أن هناك أهدافًا غير معلنة للمساعدات الأمريكية وهو الترويج للسلام من خلال اللجوء إلى إنشاء علاقات اقتصادية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتغطية على الآثار المدمرة للاحتلال الإسرائيلي، وإيهام العالم بأن العلاقات الفلسطينية-الإسرائيلية على ما يرام، مع أنها ليست كذلك على أرض الواقع.

اقرأ أيضاً: زيارة بايدن "الموعودة": السعودية أهم من رام الله وتل ابيب؟

وأوضحت الورقة أن ما زاد الطّين بلّة إقدام الولايات المتحدّة عام 2019 على طرح رؤيتها الظالمة "السّلام من أجل الازدهار" في محاولةٍ لرسم المستقبل الاقتصادي لفلسطين والمنطقة، والتي ولدت من رحم وجهة نظر سياسيّة واقتصاديّة نيوليبراليّة واستعماريّة جديدة مُحاكة في تل أبيب بشأن مصير المصالح الفُضلى للشعب الفلسطيني، وحملت "الصّفقة" طرحا كان يُراد به تطبيع وإدامة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وإنهاء نضال الشّعب الفلسطيني الّذي مضى به منذ قرن من الزّمان من أجل تقرير مصيره الوطني.

وقالت الورقة إنه في العام 2020 في عهد إدارة ترامب، سنّ الكونجرس الأمريكي مبادرةً عُرِفت بمبادرة "نيتا لوي" للشراكة في الشّرق الأوسط من أجل السّلام، بدعمٍ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، صُمّمت هذه المبادرة في ظل الإدارة السّابقة من أجل "تعزيز التّعايش السّلمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين لتمكين تحقيق حل الدّولتين المستدام".

وتشمل مبادرة الشّراكة في الشّرق الأوسط من أجل السّلام صندوقين بقيمة 250 مليون دولار كمساعدات على مدار خمس سنوات. رغم أنّها تهدف إلى دعم الحق الفلسطيني في إقامة دولة، إلّا أنها معيبة انطلاقًا من افتراضها الأساسي بأنّ العلاقات الاقتصاديّة قادرة على تحقيق هذا الحل، بدلًا من أن يكون ذلك نتيجة سلام عادل.

وبحسب "ماس" فإن البرامج الرّئيسة الثّلاثة لـمبادرة الشراكة في الشّرق الأوسط من أجل السّلام الّتي ستنفّذها الوكالة الأمريكيّة للتنمية الدّوليّة وشركة تمويل التنمية الدّوليّة الأمريكيّة تهدف إلى تعزيز التّعاون الاقتصادي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وبناء السّلام بين الشّعبين، والمجتمع المشترك، والتّعايش السّلمي، والحوار، والمصالحة، ما يؤكد أن الموقف السّياسي الرّاهن للإدارة الأمريكيّة ينثني على تجاهل السّلطة الوطنيّة في تحديد أولويات المساعدات "الجديدة".

وأكدت الورقة الاقتصادية أن المُستجدات على قصّة مقاربة الإدارات الأمريكيّة للقضيّة الفلسطينيّة لا تُعطي أي بارقة لصنّاع السّياسات الفلسطينيّة أو لقادة الأعمال بأن شيء مؤثرا قد تغير في واشنطن حيال فلسطين، سواء كان ذلك سياسيا أو غير ذلك. أيضًا وبالنظر إلى التّجربة المريرة لعملية السّلام الفاشلة، فإن النّوايا الحسنة والكلمات الطّيبة لم تعد ذات مصداقية وأقل من القليل، وقد فات أوانها. إلى جانب التّداعيات السّياسيّة الواضحة الّتي يمكن استخلاصها من هذا الوضع، هناك العديد من الدروس الّتي ينبغي أخذها على محمل الجد للمضي قدما، لا سيّما من زاوية التّنمية الفلسطينيّة وصنع السّياسات الاقتصاديّة.

وأضافت الورقة أنه وعلى الرغم من ما تبدو عليه هذه المبادرة التي تنفذها الولايات المتحدة في المنطقة من حداثة, إلا أن التاريخ يبدى لنا نقيض ذلك، حيث تشبه إلى حد كبير مبادرة الاستثمار في عامي 1996-1995 التي وسعت بموجبها اتفاقية التجارة الحرة الأمريكية الإسرائيلية لتشمل الضفة وقطاع غزة من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية الفلسطينية والتجارة الإقليمية، وحظيت في حينها سلع المستوطنات الإسرائيلية بمعاملة تفضيلية في السوق الأمريكية؛ الأمر الذي قوض الإصرار الفلسطيني والعربي على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: إشاعات الضفة وإرباكاتها.. مؤشرٌ على اقتراب نهاية حقبة عباس؟

وتشير الورقة إلى أن مساعدات إدارة "بايدن" تتماشى مع شّعار "تقليص الصّراع"، من خلال المفهوم المرفوض على نطاق واسع، للسلام الاقتصادي كما صاغه رئيس الوزراء الإسرائيلي السّابق "بنيامين نتنياهو"، مضيفةً إلى أن أحد الأشكال الوحيدة الممكنة للمساعدات الأمريكيّة المباشرة للسلطة الفلسطينيّة والتي قد تكون ممكنة في ظل القيود القانونية الجديدة هي تلك المخصّصة للتعاون في مكافحة الإرهاب العالمي والقضايا الأمنية ذات الصّلة، وعليه، لا يوجد الكثير لإضافته للتأكيد على رفض هذا الطّرح، حتى في الوقت الّذي يمضي فيه صاحبات وأصحاب الأعمال الفلسطينيون "بالمحافظة على السلم،" ملزمين على مواصلة التّفاعل مع إسرائيل وأنظمة هيمنتها كي يتمكنوا من البقاء.

وخلصت الورقة على ضرورة التحول من محاولة إصلاح موازنة السلطة الفلسطينية إلى بناء الاقتصاد الفلسطيني ووجود أجندة فلسطينية واضحة لتقديمها للمانحين، لضمان الاستفادة القصوى من المشاريع والمنح الخارجية، مع ضرورة التركيز في هذه الأجندة على أولويات المواطن الفلسطيني.

كما دعت إلى ضرورة تحسين الآليات التفاوضية مع المانحين، وتقوية بنية الحكومية الفلسطينية فيما يتعلق باستقطاب وتنظيم المساعدات الخارجية، مع ضرورة وضع الأولويات الفلسطينية على الطاولة.

المصدر : متابعة-زوايا
atyaf logo