أسطوانة الغاز بغزة تخلق أزمة فوق الأزمة

محطات الغاز بغزة
محطات الغاز بغزة

خلق ارتفاع ثمن أسطوانة الغاز في قطاع غزة أزمة فوق الأزمة التي يعيشها سكان القطاع، فإلى جانب شكوى المستهلكين من ارتفاع سعر الغاز واتهام الحكومة بعدم تيسيرها على جيوبهم من ناحية، فقد طرأت من ناحية أخرى أزمة "عدم ثقة" بين المستهلك وأصحاب شركات الغاز والموزعين واتهامهم بتشكيل تحالف ضد أي طرف يحاول تخفيض سعر أسطوانة الغاز على جيوبهم.

وأثارت الأزمة المركبة، حالة من الغضب والجدل الواسع بين صفوف المواطنين في القطاع، وطفت بشكل أكبر على مواقع التواصل الاجتماعي التي عجت بالمنشورات المستنكرة والمنددة بما أسموه..

"انتصار الرأسمالية على جيوب المواطنين الفقراء بتواطؤ من الحكومة في غزة".

فقد كتب الناشط محمد حسن على صفحته الشخصية على فيس بوك قائلاً "للأسف انتصرت الرأسمالية والجشع"، ودون مواربة اتهم حكومة غزة بأنها مستفيدة، وقال: "هذا لا يليق بحكومة من المفترض أن تعزز الحاضنة الشعبية لشعب كله يتحمل أعباء المقاومة، إذا كانت الشركة تربح من سعر 63 شيكل، فلا يجب أن يكون السعر الرسمي 70 شيكل".

محمد حسن.jpeg

وعبر صحفيون ونشطاء ومواطنون على مواقع التواصل عن استيائهم من أزمة ارتفاع سعر أسطوانة الغاز، وما خلقته من أزمة "عدم ثقة" بعد إجبار جمعية أصحاب شركات الغاز بعض أصحاب المحطات إلى التراجع عن تخفيض سعر أسطوانة الغاز، وتغليب مصالحهم على حساب مصلحة المستهلك الغزي، كما رصدت "زوايا" بعض هذه الردود.

WhatsApp Image 2022-06-09 at 8.58.25 AM.jpeg
WhatsApp Image 2022-06-09 at 8.58.25 AM (1).jpeg
WhatsApp Image 2022-06-09 at 8.58.27 AM.jpeg
WhatsApp Image 2022-06-09 at 8.58.26 AM (1).jpeg
 ضغوطات وصراعات

وبرزت تفاصيل هذه الأزمة لغلاء أسطوانة الغاز، حين تراجعت محطة "الأقصى" لتعبئة الغاز وسط القطاع عن مبادرتها الأخيرة ببيع أسطوانة الغاز بالسعر المخفض وهو 63 شيكلاً، معلنة التزامها الكامل بالتسعيرة الصادرة من وزارة المالية بغزة وهيئة البترول التابعة لها بمبلغ 70 شيكل.

وأرجعت الشركة سبب تراجعها عن موقفها إلى "معارضة أحمد الحلو رئيس جمعية أصحاب محطات البترول لقرارها، مشيرة إلى أن الحلو قال "إن هذه التسعيرة تضر باقتصاد البلد، وشركات الغاز".

وذكرت الشركة في بيان لها، أن العودة إلى السعر الرسمي، جاء نتيجة لما قاله أحد الصحفيين إن تخفيض سعر أسطوانة الغاز ليس لمصلحة المواطن، وإنما لمصلحة المحطة، محملة "الحلو" المسؤولية الكاملة عن توفير الغاز كونه هو من يمثل الشركات، وهو من يقوم بتوريد الغاز من هيئة البترول في رام الله.

WhatsApp Image 2022-06-09 at 8.58.26 AM.jpeg

وحين مراجعة أحمد الحلو رئيس الجمعية حول ما أُسند إليه في البيان السابق، ذكر لـ"زوايا" أنه ليس بصدد "شخصنة" الأمور كما فعلت شركة الأقصى للغاز، عاداً أنه يعمل ضمن جمعية رسمية هو يرأسها وفيها عدد من الأعضاء القادرين على صياغة موقف موحد.

وأرجع "الحلو" سبب ارتفاع أسعار الغاز في قطاع غزة وفلسطين عموماً، إلى أزمة ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، منوهاً إلى أن هذا الارتفاع لا يقتصر على فلسطين، وإنما طال الإقليم كله من حولنا.

اقرأ أيضاً: المفكر المصري عبد الله السناوي لـ "زوايا": نصحت أبو مازن بحل السلطة وهذا كان رده

واستهجن الحلو الزج بجمعية أصحاب شركات البترول فيما وصفها "الصراعات الداخلية" بين الشركات واتهامها بالتأثير في تحديد سعر أسطوانة الغاز للمستهلك، مشدداً على تمسك جمعيته بحقها القانوني بمحاسبة جميع الأطراف التي تزج باسمها فيما يتعلق بتحديد سعر سلعة أساسية لسكان قطاع غزة، بهدف تحقيق مصالح شخصية.

وأكد الحلو أن الجهة الوحيدة المخولة بتحديد سعر المحروقات هي الهيئة العامة للبترول سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، منوها إلى أن أي خفض في أسعار المحروقات يجب أن يكون مدعوماً حكومياً، وأن تقوم الهيئة العامة للبترول بدورها في تنظيم قطاع البترول وإلزام الشركات بالأسعار المعلنة بما لا يضر بقطاع البترول.

ووفقاً لحديث الحلو، فإن استهلاك القطاع من غاز الطهي في فصل الصيف يصل إلى قرابة 1200 طن أسبوعياً، وفي الشتاء يزيد إلى 1700 طن، حيث يصل غزة نحو 100 شاحنة غاز في الأسبوع الواحد، تحمل كل واحدة منها ما يقرب من 22 طناً.

من وجهة نظر أخرى، يرى يسري ضبان مدير إحدى شركات الغاز بغزة في حديثه لـ"زوايا" أن ارتفاع سعر الغاز في غزة أمر طبيعي وناتج عن ارتفاع سعره سواء في مصر أو الجانب الإسرائيلي، باعتبارهما مصدر توريد الغاز لغزة، ولكنه اعتبر "المضاربة في الأسعار الحاصلة في القطاع منافسة غير شريفة"، على حد وصفه.

وقلل "ضبان" من قدرة بعض أصحاب محطات الغاز على الإدارة وحساب مدى ربحهم من خسارتهم، قاصداً بذلك الذين خفضوا سعر تعبئة أسطوانة الغاز خلال الفترة الماضية، رافضاً الاقتناع بمبرراتهم وادعاءاتهم التي ساقوها بأنهم يُحصلون هامشاً من الربح من جراء هذا التخفيض.

كما استخف ضبان بمزاعم بعض أصحاب المحطات، بأن تخفيضهم نابع من مراعاتهم للظروف الاقتصادية للمواطنين، مبيناً أن "البعض" يسعى لزيادة حصصه من الغاز وتخفيض سعره لمدة محددة خلال الصيف فقط، علماً أن الصيف يتسم بقلة الاستخدام بخلاف فصل الشتاء.

وأقر ضبان في الحديث عن هامش ربحهم في أسطوانة الغاز الواحدة، بأنه كان في السابق "8" شيكل هو والموزع، أما حالياً فهو "4" شيكل فقط"، كاشفاً أن الضريبة المفروضة عليهم من الحكومة في غزة على كل أسطوانة غاز "شيكل واحد ضريبة مضافة و20 أقورة ضريبة دخل فقط".

ووفقاً لحديث سابق لسلامة معروف رئيس المكتب الحكومة بغزة لـ"اندبندنت عربية" بأن غاز الطهي في مصر مدعوم من قبل الدولة، لكن ما يشتريه القطاع يكون وفقاً للسعر الدولي، وليس المتداول هناك، وتبلغ قيمة طن الغاز بحسب الاتفاق 1090 دولاراً تشمل مصاريف النقل والتأمين والتشوين، وليس كما يشاع.

ويضيف معروف "تصل تكلفة الأسطوانة على الهيئة العامة للبترول 15 دولاراً، يضاف إليها إجمالي ربح محطات الغاز، وربح موزعي الغاز، بقيمة ثلاثة دولارات، وتباع الأسطوانة في المحطات بقيمة 20 دولاراً، ما يعني أن هامش الرسوم المحصلة لوزارة المالية عن كل أسطوانة غاز لا يتجاوز الدولارين، شاملة المصاريف الإدارية والفنية، وكذلك المتابعة والمراقبة وتوزيع الحصص على المحطات".

الدور الحكومي

وفي حديث خاص لـ"زوايا" فقد نأى بنفسه إياد الشوربجي مدير عام الادارة العامة للبترول في وزارة المالية بغزة، عن الحديث حول الأسباب التي استدعت أصحاب محطات الغاز وجمعيتهم إلى الدخول في هذا التضارب والجدل الحاصل، ولكن سبق لسلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أن رحب بقيام بعض محطات الغاز بتقليص هامش ربحها وتخفيض سعر أسطوانة الغاز للمواطن.

وأرجع الشوربجي، الارتفاع في سعر إسطوانة الغاز إلى "ارتفاع أسعار التكلفة من مصادر التوريد والذي جاء جزء كبير منه في سياق الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة على إثر الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يتم استيراد الوقود والغاز بالأسعار العالمية، مؤكداً بأن "الحكومة في غزة تحملت طوال الأشهر الماضية ولا تزال معظم الزيادة في أسعار تكلفة الاستيراد حرصاً منها على عدم تحويلها للمواطن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة".

يذكر أن غزة تستورد غاز الطهي من مصدرين، الأول من الجانب الإسرائيلي، وتفرض حكومة غزة كما السلطة الفلسطينية عليه ضرائب قبل دخوله القطاع، والثاني من جمهورية مصر، وتفرض عليه ضرائب من الجهات الحكومية في غزة فقط.

ومنذ عام 2018م قلصت شركات البترول والغاز في القطاع من شراء غاز الطهي من الاحتلال الإسرائيلي، وباتت تستورد الكميات الكبيرة منه من مصر، بعد التفاهمات التي أجرتها الفصائل الفلسطينية مع السلطات المصرية آنذاك.

وبسؤاله عن السبيل للخروج من الأزمة والأدوار اللازمة على كل الجهات ذات العلاقة وخاصة الحكومية، فقد اعتبر الشوربجي أن ذلك يتطلب تظافر كافة الجهود من القطاعين العام والخاص على حد سواء، لتكثيف التنسيق والتعاون للوصول إلى صيغ مناسبة لترتيب هذا الملف.

وذكر الشوربجي أنه إلى جانب تأمين توفير الغاز والمواد البترولية الأخرى للمواطنين، يجري العمل الحثيث من "متابعة العمل الحكومي في غزة" على التواصل والضغط الدائم على الأطراف الموردة لتخفيف أسعار تكلفة الاستيراد، لضمان وصول هذه السلعة الاستراتيجية بالسعر المناسب للمواطنين، على الرغم من أن الارتفاع هو ظاهرة عالمية ناجمة عن تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية.

ومن الحلول والأدوار اللازمة للخروج من الأزمة، حسب الشوربجي، أنه ينبغي العمل بكل الأدوات المتاحة بالتعاون مع كافة الجهات ذات العلاقة، وعلى رأسها القطاع الخاص، للتخفيف على المواطن وتعزيز صموده في هذه المرحلة الدقيقة، التي تحتاج من الجميع الالتزام بسياسات عمل موحدة ومتسقة مع الأهداف الاقتصادية، التي تساهم في تحقيق النمو وتتجنب الوقوع في الأزمات والإرباكات في هذا السوق المهم والحساس بما يحافظ على مصالح الجميع بشكل متوازن، وتغليب المصلحة العامة على أي مصلحة أخرى، على حد تعبيره.

الضرائب ودعم السلعة

ومن ناحية تحليلية، فقد أرجع الصحفي محمد الجمل المختص في الشأن الاقتصادي، بعضاً من الأسباب الحقيقية لأزمة الغاز في القطاع، إلى فرض الضرائب على هذه السلعة الأساسية، وقال: "نحن ثاني أعلى دولة في أسعار الوقود ومن بينها الغاز، فحين كانت أسعار الغاز متدنية عالمياً كانت في فلسطين وقطاع غزة مرتفعة، إضافة إلى غياب دعم حكومي لهذه السلعة الرئيسية"، متسائلاً "ماذا يحدث لو الحكومة تحملت هذا الارتفاع عبر تقليل الضرائب؟".

ورداً على سؤال حول ما الذي استدعى أصحاب محطات الغاز ونقابتهم إلى هذا التضارب والجدل الحاصل؟ أجاب الجمل "نحن كمواطنين لا يهمنا أن نعرف السبب، لكن هذا السجال كشف لنا أمر جد خطير أن نحو ١٧% من سعر أسطوانة الغاز وربما أكثر يذهب ربح صافي لأصحاب المحطات، وهذا أمر مبالغ فيه".

وأضاف: "اكتشفنا أن الكلمة النهائية لرؤوس الأموال الجشعة التي لا يهمها مصلحة المواطن وتسعى لتحقيق أرباح كبيرة على حساب الفقراء والضعفاء، وأن البعض يعمل وفق المقولة (لا راحمين ولا تاركين رحمة الله تنزل)"، معرباً عن أسفه لدور وزارة الاقتصاد الضعيف في هذه الأزمة.

وحول السبيل للخروج من الأزمة والأدوار اللازمة على كل الجهات ذات العلاقة، شدد الجمل على ضرورة تخفيض الضرائب ودعم السلعة، وتحديد حد أعلى للأسعار ثم ترك السوق دون تدخل لخلق منافسة شريفة، حسب تعبيره.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo