الطائرات المُسيرة.. كابوس "إسرائيل" القادم

طائرة مسيرة
طائرة مسيرة

تتصاعد مخاوف وتحذيرات إسرائيلية من خطر "الطائرات المُسيرة" المُعادية، وباتت تنظر إلى هذه الطائرات ككابوس يهدد أمن كيانها، إلى حد أنها بدأت بتشكيل حلف دفاع إقليمي مع بعض الدول المجاورة ودول أخرى لمواجهة خطر الطائرات المسيرة "الانتحارية".

وهو ما كشفت عنه القناة 12 العبرية، في العشرين من شباط الماضي عن "تشكيل تحالف دفاعي ضد تهديدات الطائرات المسيرة الانتحارية يضم (إسرائيل) ودولاً في المنطقة أبرزها السعودية والإمارات، وذلك بهدف الاستفادة من القدرات على اكتشاف الطائرات والتهديدات واعتراضها".

وتبع ذلك مباشرة، قيام الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية بمناورة مشتركة من أجل تحسين قدراتهما على إسقاط الطائرات المُسيرة صغيرة الحجم، بحسب ما نقلته هيئة البث الإسرائيلي "كان".

وتأتي الخطوات الإسرائيلية المتلاحقة الأخيرة، بعد فشل منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الطائرة المسيرة التي أُطلقت من لبنان في الثامن عشر من فبراير الماضي، حيث قال مصدر في المقاومة في لبنان حينها: "أطلقنا طائرة حسان، وحلقت لمدة 40 دقيقة بعمق 70 كم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بمهمة استطلاعية".

وإضافة إلى خطر المُسيرات القادمة من الشمال، فإن الاحتلال الإسرائيلي يخشى خطرها من الجنوب أيضا، فوفقاً للمعلومات المتوافرة، فإن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، هما الوحيدتان اللتان تملكان طائراتٍ مسيرة من بين الفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة. علماً أن "حماس" خصصت فريقاً كاملاً من أعضاء جناحها العسكري "كتائب القسام" يعكف على تطوير قدرات الطائرات المُسيرة، لتصبح سلاح المواجهة الجديد مع الاحتلال.

أول طائرة غزاوية

وأطلقت حركة حماس أول طائرة مُسيرة في أجواء قطاع غزة، كانت قد عملت على صناعتها بمساعدة التونسي الراحل محمد الزواري، والذي اغتاله الموساد الإسرائيلي فيما بعد في مسقط رأسه عام 2016، حيث أظهرت فيديوهات نشرها "القسام" مقاطع للزواري وهو يعمل على تصنيع الطائرات المسيرة داخل قطاع غزة وإطلاقها.

وخلال حرب عام 2014 كشفت المقاومة للمرة الأولى عن امتلاكها طائرات "أبابيل"، مشيرة إلى وجود 3 أنواع من الطائرات: "استطلاعية وهجومية وانتحارية". وبعد سنوات عدة أفصحت المقاومة عن امتلاكها طرازاً جديداً من الطائرات إلى جانب طائرات أبابيل وهي "شهاب" الهجومية الانتحارية.

ومن مقاطع الفيديو التي عرضتها المقاومة الفلسطينية آنذاك، يتضح أن هناك اختلافاً واضحاً بين الطائرتين، إذ كانت تطلق طائرات الأبابيل من الأرض باستخدام جهاز التحكم، فيما تطلق طائرات شهاب من منصات مخصصة لها بالإضافة للتحكم فيها عن بعد.

ويجب الإشارة إلى أنه في السادس من مارس الجاري 2022 –قبل أيام قليلة فقط- كشف الاحتلال عن اعتراض طائرتين مسيرتين إيرانيتين محملتين بالأسلحة كانتا في طريقهما نحو قطاع غزة، في خطوة هي الأولى من نوعها، ما أثار هواجس الاحتلال وتخوفاته الأمنية وتساؤلاته عن عدد المرات التي نجحت فيها هذه المحاولة.

وجاء في بيان لجيش الاحتلال، أن الحادثة وقعت في شهر آذار/مارس 2021، حين انطلقت طائرتان بدون طيار من جنوبي إيران وسافرتا مسافة 8 ساعات باتجاه قطاع غزة وهما تحملان أسلحة وذخائر، قبل أن تقوم طائرات إسرائيلية مقاتلة من طراز F35 بإسقاطهما قبل اختراق الأجواء المحتلة.

نقلة نوعية

أما على الصعيد اللبناني، فتهديد المُسيرات ليس جديداً، فقد نقلت صحيفة "معاريف" عن مصدر عسكري إسرائيلي كبير تعبيره عن قلقه من أن حزب الله اللبناني "أحدث نقلة نوعية في قدراته في مجال الطائرات المُسيرة" وهو ما يخلق ما يشبه الصراع على الحيز الجوي، ويهدد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء اللبنانية.

كما نقل موقع "واللا" في هذا الخصوص، أن التقديرات في الجيش تفيد بأن الاحتكاك بين حزب الله والجيش في المجال الجوي اللبناني سيتصاعد، وأن ضباطاً كباراً في الجيش "لا يستبعدون إمكانية أن يقود ذلك إلى جولات وأيام قتالية إذا خرق حزب الله التوازن الناعم والهش الموجود على طول الحدود منذ حرب تموز 2006".

وفي حديث خاص لـ"زوايا" أكد عصمت منصور الكاتب الصحفي والمختص في الشأن الإسرائيلي، أن الطائرات المُسيرة "باتت شبحاً يقض مضاجع الاحتلال"، لافتاً إلى أن الأخير على استعداد لأن يُسخر كل قدراته العسكرية ويشكل تحالفات إقليمية لصد هذا الخطر المتنامي.

اقرأ أيضاً: تهديد مقاومة غزة للاحتلال.. مجازفة خطرة أم آخر أوراق الضغط؟

وأشار إلى أن خطر المُسيرات على  "إسرائيل" لم يعد مُقتصراً على الخروج بطلعات استطلاعية للتجسس على منشآتها العسكرية والمدنية، سواء كان هذا الخطر القادم من الجنوب أو الشمال، بل أصبح يتهددها بإمكانية شن هجمات "إنتحارية" في أي معركة قادمة، منوهاً إلى أن التحذيرات الإسرائيلية من كل المستويات تصب في هذا الإطار لتفادي خطر المُسيرات.

ويرى منصور الكاتب الصحفي المختص في الشأن الإسرائيلي، أن نجاح طائرة مُسيرة تابعة لحزب الله اللبناني في اختراق الحدود الشمالية مع  "إسرائيل" وعودتها دون إسقاطها أو اعتراضها "أعاد إلى الواجهة سؤال حول دور الطائرات الصغيرة والمُسيرة (على مختلف أنواعها وأحجامها) في الحروب والمواجهات التي تخوضها اسرائيل على أكثر من جبهة مع منظمات فلسطينية ولبنانية، ومع تشكيلات عسكرية غير نظامية تصفها إسرائيل بأنها ميليشيات شيعية موالية لإيران في مواقع قريبة جداً من إسرائيل، مثل سورية، أو في مناطق أكثر بعداً، مثل العراق واليمن".

ويرصد منصور في مقال له بتصرف، ما نقلته الصحافة الإسرائيلية بالتزامن مع التغطية التي رافقت الحدث، حيث أكد بدوره موقع "واينت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أن المسيرة لم تحدث أي ضرر أمني يُعتد به "إلا أنها سجلت نصراً إعلامياً ومعنوياً لخصم إسرائيل اللدود - حزب الله".

في حين أن القناة 12 العبرية اعتبرت "أن هذه الحادثة جسدت جدية التهديد الجديد الذي تمثله الطائرات من دون طيار أو المُسيرات، وكونها إحدى الأدوات التي ستلعب دوراً مهماً في أي مواجهة قادمة، دون أن يخفف من حدة هذا التهديد وجديته، كون هذه المُسيرة "لم تحمل مواد متفجرة، وكانت في مهمة استخبارية، لجمع المعلومات، ولم تلحق أضراراً بالغة".

كما لفت منصور إلى أنه سبق لموقع "واللا" الإخباري الإسرائيلي، أن وصف في وقت مبكر وتحديداً في 21 أيار 2021، المُسيرات بأنها "الخطر القادم ضد اسرائيل" خاصة على ضوء ما أسماه "الاستخدام المتزايد لهذه الطائرات من قبل المنظمات الارهابية"، وهو ما يخلق ساحة مواجهة "غير معروفة" ويضع (إسرائيل) أمام تهديد جدي.

ويرى منصور، بأن المعضلة الأخرى التي تعترض أجهزة الأمن الصهيونية وفق ما نشره موقع "واينت" في 18 شباط 2022، هو أن هذه المسيرات "أصبحت منتشرة على نطاق واسع، وفي متناول أيدي كل الجماعات التي تتهمها اسرائيل بالإرهاب بدءاً من داعش وحزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي وصولاً إلى أنصار الله"، وأنها تحولت إلى سلاح يستخدم في كل الهجمات التي تنفذها هذه المنظمات، وهو ما أكده مصدر سياسي إسرائيلي لذات الموقع حيث اعتبر أن " إحدى أبرز القضايا التي تشغل العالم اليوم هي قضية المُسيرات وسهولة تنفيذ عمليات من خلالها".

وميزة هذا السلاح-حسب منصور- "صغير الحجم، وجديد في ميادين الحروب، و يحلق بشكل منخفض"، ما يجعله قادراً على التملص من معظم أنظمة الرادار، وقادر على جمع المعلومات وحمل مواد متفجرة، عاداً أنه نجح في أن يستنزف طاقات جيوش كاملة، وأن يقرب دولاً من بعضها البعض، وأن يستنفر الأذرع التكنولوجية والصناعات العسكرية، وهو ما يجعله التهديد الأبرز الذي سينعكس على شكل المواجهة القادمة، إن لم يكن السبب في اندلاعها.

وما يعزز هذه التخوفات ما ذكرته صحيفة "يسرائيل هيوم" في 18 شباط الماضي، من أن "مسؤولين في الجيش يُقدرون بأن لدى حزب الله ترسانة تعد بالمئات من المُسيرات، بأحجام وقدرات مختلفة، مصممة لجمع المعلومات الاستخبارية، ويمكن تسليحها بالمتفجرات واستخدامها كسلاح هجومي دقيق، ورخيص الثمن ويمكن تشغيله بسهولة".

معادلات جديدة

من ناحيته، يرى أيمن الرفاتي الكاتب والمهتم في الشأن الإسرائيلي، أن كل المؤشرات والإجراءات التي اتخذتها  "إسرائيل" مؤخراً سواء بالتحالفات أو المناورات، تدلل على أن لديها خشية كبيرة من تنامي السلاح الهجومي الجديد بيد المقاومة في فلسطين ولبنان.

وأشار الرفاتي في حديث لـ"زوايا" إلى أنه بالمقابل، فإن المقاومة في –فلسطين ولبنان- باتتا تعتبران الطائرات المُسيرة سلاحاً استراتيجياً يقارب معادلات الردع مع الجيش الإسرائيلي، وذلك بالطبع مع فارق القدرات العسكرية المتطورة المتوفرة لدى الاحتلال في هذا المجال بالذات وغيره من الترسانة العسكرية الفائقة التي يمتلكها الاحتلال.

اقرأ أيضاً: احتكار وغلاء يتصاعد بغزة.. ما واجب الحكومة؟

ولفت إلى أن العدو يرى أن طائرة مُسيرة تنقل المعركة إلى داخل فلسطين المحتلة تمثل معضلة حقيقية، لأنها تضاعف المخاطر الأمنية، وتعطي المقاومة قدرة التأثير في الحياة والاقتصاد، ما يشكل معضلة أمنية واقتصادية مركبة.

وتطرق الرفاتي للحديث عن طائرة "حسان" التي أطلقتها المقاومة الإسلامية في لبنان مؤخراً، حيث تشير إلى بداية مرحلة استراتيجية جديدة في التعامل مع العدو، عنوانها "الحرب بين الغيوم" والرد بالمثل، عاداً أن هذا الحدث يستهدف الثغرة الأكبر في نقاط ضعف "إسرائيل"، وهي مشكلة العمق الجغرافي الاستراتيجي، والتي حاولت إيجاد حل لها طيلة العقود الماضية، وفشلت في ذلك باستخدام التفوق في سلاح الطيران.

وأوضح الرفاتي أن المتغيرات السلبية في البيئة الاستراتيجية لكيان العدو تتوالى بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، وأن الثغرات التي تصنعها المقاومة في هذه البيئة في ازدياد، لافتاً إلى أن المنظمات التي يسميها الكيان الإسرائيلي "منظمات لادولانية" باتت تفرض المعادلات عليها، وتكسر خططها العسكرية الفريدة.

وأشار الرفاتي إلى أن كل الوسائل التي اتبعها العدو الصهيوني لمنع تطور قدرات المقاومة، وظن أنّه سيُعجزها بها، ردت عليها المقاومة بإصرار فريد على ابتكار أدوات إبداعية تفرض معادلات جديدة، على حد تعبيره.

المصدر : خاص-زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo