من المؤكد أن إسرائيل فقدت جزءً من صورتها كواحة للديمقراطية في المنطقة، ولم يعد جيشها هو الجيش الأكثر أخلاقية، لكن من المؤكد أيضاً أن هذا التحول لم تخلقه هجمات حماس يوم السابع من أكتوبر، إنما حجم الدم الفلسطيني الذي أراقته إسرائيل بحجة محاربة حماس، ولست بحاجة إلى التدليل على صحة ما أقول، فيكفي أن تتابع الأصوات المنددة بإسرائيل بعد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في حق الفلسطينيين، خاصة في غزة، لتجد أنها ذاتها تصف حماس بالإرهاب، وفعلتها بالعمل الإرهابي، فالتحول لم تحدثه ما تسميه حماس ببطولات السابع من أكتوبر، ولم يذهب في اتجاه تبني حقنا في استخدام أقصى درجات العنف، إنما أحدثه الدم المظلوم الذي أراقته إسرائيل.
لكن الأكثر تأكيداً من كل ما سبق أن منجزاً بحجم إحداث تحول في الرأي العام العالمي تجاه إسرائيل لا يساوي معشار خسائرنا البشرية، والسياسية، والمادية، وحينما تقدمه حماس كمكافئ لخسارتنا لحياتنا في غزة، فنحن نرى في خطابها هذا جريمة جديدة تضاف إلى جريمة تعريض شعبها لمهلكة بحجم ما حدث، دون أن يرف لها جفن، ودون أن تلتفت إلى تبعات ما يمكن لها أن تفعله، كما أن مواصلة حديثها بهذا الشكل يظهر بوضوح حجم الفجوة بينها وبين شعب يُفترض أنه شعبها، وكيف أن حماس أبعد ما يكون عن تقديس دماء شعبها وحياتهم، إنما كانت- ولا زالت- تنظر إليهم كمجرد وقود، يمكن أن تحرق منه كيفما تشاء، وقدر ما تشاء، إن ظنت أن هناك مصلحة متوهمة يمكن لها تحقيقها، بل حتى لو كانت هذه المصلحة مجرد بقائها كحزب، مقابل فناء شعبها.
كان يمكن لهذا التحول أن يحدث بتضحيات أقل، أو حتى بصفر تضحيات، فيما لو كان إحداث هذا التحول هدفاً نعمل عليه، لكن العكس دائماً كان هو سيد الموقف، فلطالما واجهت حماس المتحدثين عن أهمية الرأي العالمي بالسخرية، مدعية أن إسرائيل لا تهتم ولا تلتفت لما يقوله العالم، لكنها لم تتحرج عن تقديمه كمنجز مكافئ لحجم الدم الذي تسببت بإراقته، في محاولة بائسة للتهرب من مسئوليتها المباشرة- جنباً إلى جنب مع إسرائيل- عن مذبحتنا وإبادتنا في غزة.
السؤال الآن:
كيف يمكن استثمار هذا التحول في الرأي العام العالمي، الذي لا نقلل من أهميته، إلا مقابل أحذية ضحاينا في هذه المهلكة؟
ثم، هل ستواصل إسرائيل تجاهلها لهذا التحول؟
خلال متابعتي المتواضعة لخطاب إسرائيل للعالم لاحظت كيف تقاتل إسرائيل لأجل إعادة صورتها القديمة، وهي في سبيل ذلك تستخدم كل الحجج، لا يهم إن كانت صادقة، أو كاذبة، بل إنها في أغلب الغالب كاذبة، لكنها في أحيان كثيرة تستند على أخطائنا نحن، وخطابنا نحن.
قرأت قبل أيام مقالاً بعنوان: خذ لحظة لترى العالم بعيون إسرائيلية – أوري كورليانشيك
هذا المقال مليء بالمغالطات والأكاذيب، وتشويه الحقائق، يحاول من خلاله كاتبه أن يستعيد دور الضحية، التي كانت تؤمن دائماً بالسلام والتعايش، فيما كان الفلسطينيون دائماً يؤمنون بالقتل!!! كما أنه ينطلق من أرضية مختلقة، وكأنّ إسرائيل لم تقم من الأصل على أراض الآخرين، وكأنّ قيامها لم يتسبب في هجرة شعب لا يزال يدفع ثمن هذه الهجرة حتى يوم الناس هذا، وكأنّ العالم الذي اعترف لإسرائيل بحقها في الوجود لم يعترف بحق اللاجئين في العودة، ولا بحق الفلسطينيين في جزء من فلسطين. كما يتجاهل الكاتب وجود طرف فلسطيني لا يزال يمثل الأغلبية الفلسطينية يمد يده للسلام، لكنه قوبل دائماً بالمماطلة، وكأنّ نتنياهو الذي جاء عام 1996م كرئيس لوزراء إسرائيل أول مرة لم يأت وفي جعبته حلماً بتحطيم السلطة، والتنصل من اتفاقيات السلام، وكان ذلك قبل السابع من أكتوبر بسبعة وعشرين سنة.
المطلوب فلسطينياً أن نواصل عرض الحقيقة كما هي، في كل مكان في العالم، وأن نواصل البناء على هذا التحول، لا أن نركن إلى حدوثه ونكتفي بتقديمه كمكافئ لدمائنا، تنصلا من مسئوليتنا عما حدث.
المسئولية الكبرى في هذا الصعيد تقع على عاتق السفارات الفلسطينية، التي يُنفَق عليها ملايين الدولارات، ومثلها جالياتنا الفلسطينية المنتشرة في كل بقاع الأرض، هذا إضافة إلى كل من يتقن لغات العالم، ويجد نافذة يمكنه أن يصل من خلالها للعالم، هذه هي معركتنا الحالية، جنباً إلى جنب مع معركة تثبيت الوجود، وتعزيز البقاء في كل شبر من أرض فلسطين.
