تتسارع الأحداث في قطاع غزة والمنطقة لترسم ملامح مرحلة جديدة تتجاوز مجرد التهدئات المؤقتة إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني برمته. وبينما تتجه الأنظار نحو التدابير الميدانية الوشيكة، تبرز تحولات عميقة في طبيعة إدارة الصراع والمواقف الحزبية والإقليمية.
لم تعد المفاوضات المستمرة منذ ثلاث سنوات مجدية؛ فالوضع الإنساني يزداد سوءا، وإذا قبلنا بالحل المفروض فهو كارثة، وإذا رفضناه فهو كارثة أيضا؛ لأن خطر التهجير لا يزال قائما. وبناء على ذلك، لا بد من الموافقة على حل يضمن أقل الخسائر، فالمحافظة على إبقاء الفلسطينيين على أرضهم أهم من أي حسابات رغم صعوبتها.
على الصعيد الداخلي للحركة، وعلى الرغم من تسلم خليل الحية لرئاسة المكتب السياسي، تشير المعطيات إلى أن التوازنات التنظيمية لا تزال تحافظ على هيكليتها واستقرارها التقليدي بين أجنحتها المختلفة. غير أن التطور الأبرز يكمن في إدارة الملف الإقليمي؛ فبعد أن كان الحية محسوبا بوضوح على الخط الإيراني، أصبح اليوم يتجه نحو فرض مسار أكثر توازنا؛ إذ تسعى الحركة تحت قيادته لإيجاد حالة من التوازن الدقيق في علاقاتها المتشابكة بين إيران وقطر وتركيا. يعكس هذا التحول خيارا براغماتيا يستهدف توزيع الرهانات واستثمار أدوار هذه الدول الإقليمية الفاعلة بما يخدم مصالح الحركة ويضمن استمرار دعمها السياسي والميداني.
ميدانيا، بدأت الملامح العملية لمرحلة ما بعد الحرب تتبلور بشكل أكثر وضوحا مع بدء الحديث عن وصول طلائع قوات حفظ الاستقرار الدولية إلى القطاع. وبالتوازي مع ذلك، بدأت التمهيدات لإعادة إعمار ما يطلق عليه "المنطقة الآمنة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية" في رفح. هذا النموذج يمثل محاولة لإيجاد بيئة أمنية وعمرانية جديدة تستند إلى ضمانات دولية، لتعمل بنموذج تجريبي يمكن تعميمه لاحقا في إطار مشاريع الإعمار الشاملة وترتيبات إدارة القطاع. والمؤشر الأكثر خطورة وتأثيرا هنا هو أن هذه المرحلة تتهيأ للبدء دون مشاركة الفصائل، ما يعني أنه في حال اكتمال ملامحها وتثبيتها على الأرض، سنكون أمام فصل جديد بالكامل من فصول النظام السياسي الفلسطيني، خصوصا عند الأخذ بعين الاعتبار وضع اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة والتحديات الجسيمة الملقاة على عاتقها، كان الله في عونهم.
وفي سياق القراءة السياسية للداخل الإسرائيلي، تبرز أهمية استحضار العبر من المحطات الانتخابية لعام 1996، حين أدت بعض الحسابات الميدانية للفصائل الفلسطينية إلى تقديم مكاسب مجانية أدت لرجوع اليمين الإسرائيلي وصعود بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم. اليوم، تقتضي المسؤولية الوطنية والسياسية ألا تكرر حركة حماس ذات الأخطاء، وألا تقدم أي مبررات أو ذرائع تستغل من قبل اليمين المتطرف.
إن تجنب خدمة اليمين المتطرف يتطلب التوقيف الفوري لأي خطوات غير محسوبة قد تُستغل كحبل نجاة لنتنياهو وائتلافه الحاكم للإفلات من أزماتهم الداخلية وتحقيقات الفشل السياسي والأمني. يتجلى ذلك في القراءة الدقيقة لتوازنات الشارع الإسرائيلي، وسحب أوراق الضغط الأمنية التي يتغذى عليها خطابه المتطرف لإعادة تجميع صفوفه وشحن قاعدته الانتخابية. إن تفويت الفرصة على اليمين المتطرف يفرض الالتزام بخيار الحفاظ على أرواح المدنيين، والاعتماد على الدبلوماسية النشطة لتبيان التعنت الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي، مما يزيد من عزلة هذا التيار سياسيا وأخلاقيا ويترك اليمين يواجه مأزقه الداخلي وحده، وصولا إلى تجاوزهم سياسيا وتاريخيا.
إن المرحلة الراهنة تتطلب قراءة واقعية متجردة توازن بين متطلبات الصمود الميداني، والمسؤولية الإنسانية تجاه المدنيين، والتعاطي الذكي مع الترتيبات الدولية الجديدة، لمنع الاحتلال من استغلال الثغرات وتأمين استمرار المأساة الإنسانية في غزة.
