منذ تشكيل حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية في ديسمبر 2022، تشهد الضفة الغربية المحتلة سلسلة تحوّلات متسارعة تتجاوز في طبيعتها التصعيد الأمني والاستيطاني المعتاد، لتطال جوهر إدارة الاحتلال، فبدل الاكتفاء بتوسيع المشروع الاستيطاني، تنتقل تل أبيب إلى إعادة توزيع الصلاحيات داخل جهاز إدارة الضفة، بما يتيح لمؤسسات إسرائيلية داعمة للمستوطنين إدارة الضفة الغربية على لزيادة الضم الفعلي، مع تقليص متزامن لدور ومكانة السلطة الفلسطينية.
تستند هذه التحولات إلى رؤية أيديولوجية يتبناها اليمين القومي والديني المشارك في الائتلاف الحاكم، تعتبر الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من "أرض إسرائيل"، وقد تسارعت وتيرتها في ظل انشغال المجتمع الدولي بحرب غزة والتوترات الإقليمية المصاحبة لها، وسط تراخٍ ملحوظ في مستوى الضغط السياسي والدبلوماسي الأمريكي والدولي.
لذلك ما يجري في الضفة الغربية لا يمثل تسارعًا في وتيرة الاستيطان أو تشديدًا للإجراءات الأمنية فحسب، بل إعادة تعريف جوهرية لمكانة الضفة داخل المشروع الإسرائيلي، تقوّض الأسس التي قامت عليها المرحلة الانتقالية بموجب اتفاقيات أوسلو، وتؤسس لمنظومة حكم استيطاني تحل تدريجيًا محل الإدارة العسكرية.
3 مسارات
تتقاطع في المشهد الراهن ثلاث مسارات متزامنة تعيد تشكيل بنية السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتوفر السياقات الإقليمية والدولية — وفي مقدّمتها حرب غزة المندلعة في 7 أكتوبر 2023 والتوترات مع لبنان وإيران — بيئة مواتية لتسريع هذه المسارات دون رادع فعّال.
1- انتقال إدارة المنطقة "ج" إلى فاعلين استيطانيين مدنيين
شكّل توقيع مذكرة التفاهم بين وزير الجيش يوآف غالانت والوزير بتسلئيل سموتريتش في 23 فبراير 2023 نقطة تحول جوهرية، إذ نُقلت صلاحيات واسعة من الإدارة المدنية التابعة للجيش إلى "مديرية الاستيطان" الخاضعة لسموتريتش بصفته وزيرًا مدنيًا، فيما احتفظ الجيش بالمهام الأمنية والعملياتية فقط. رافق ذلك تصاعد ملحوظ في وتيرة إعلان "أراضي الدولة"، ومصادرة الأراضي، وهدم المنشآت الفلسطينية، إلى جانب تعاظم دور منظمات استيطانية مدنية مثل "ريغافيم" و"أمانا" و"دائرة الاستيطان"، التي باتت تؤدي وظائف شبه حكومية في التخطيط والرقابة والتمويل، مدعومة بتضاعف الموارد المالية المخصصة لها.
2- زيادة في التوسع الاستيطاني وإعادة رسم الخريطة الجغرافية
تجاوز التوسع الاستيطاني منذ 2023 نمطه التقليدي المتمثل بإضافة وحدات سكنية أو توسيع مستوطنات قائمة، ليتحول إلى إعادة تشكيل الخريطة الاستيطانية نفسها، عبر تسوية أو شرعنة أكثر من مئة بؤرة استيطانية، وإحياء مشروع E1 المجمّد منذ سنوات بما يفصل شمال الضفة عن جنوبها، وتوسع غير مسبوق في "المزارع الرعوية" التي غدت أداة رئيسية للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية عبر طرد السكان من مناطق الرعي. وتشير المعطيات إلى أن هذه المزارع سيطرت على ما يقارب 786 ألف دونم حتى مطلع 2025.
3- الحد من صلاحيات السلطة الفلسطينية
توسّع القرارات الحكومية والتشريعية المتلاحقة منذ 2023 لتشمل تقليص المكانة العملية لاتفاقيات أوسلو، ونقل مزيد من الصلاحيات من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية في مجالات التخطيط، وتسجيل الأراضي، وإدارة المواقع الدينية والأثرية، والإنفاذ العمراني، وصولًا إلى أجزاء من المنطقتين "أ" و"ب" المصنّفتين رسميًا ضمن ولاية السلطة الفلسطينية. وتبلغ هذه الإجراءات ذروتها في قرارات 8 شباط 2026، التي شملت نقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل، وسحب صلاحيات بلدية الخليل في منطقة H2 خلافًا لبروتوكول 1997، وإنشاء بلديات إسرائيلية منفصلة، وتفعيل آلية شراء الأراضي الاستيطانية، إلى جانب مشاريع قوانين لضم مستوطنات بعينها ولتطبيق القانون الإسرائيلي على جميع المستوطنات في الضفة.
القرارات تحسم الأرض
أبرز القرارات والإجراءات الإسرائيلية لتفعيل مشروع ضم الضفة الغربية المتسارع:
2023 مذكرة تفاهم غالانت–سموتريتش: نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى مديرية الاستيطان
2023 إجراءات عقابية بحق السلطة الفلسطينية إثر توجهها لمحكمة العدل الدولية
2024 قرار كنيست يرفض أي اعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية
2024 نقل صلاحيات مركزية متعلقة بالأراضي والتخطيط إلى نائب مدني لرئيس الإدارة المدنية
2025 استئناف تسوية الملكية العقارية في المنطقة "ج" لأول مرة منذ 1968
2025 قرار بتحويل مسار طريق فلسطيني تمهيدًا للبناء في مخطط E1
2025 المصادقة النهائية على أكثر من 3400 وحدة سكنية ضمن مخطط E1
2026 إطلاق تسجيل الملكية في 58% من مساحة المنطقة "ج" بميزانية نحو 79 مليون دولار
2026 حزمة قرارات شاملة: رفع السرية عن سجل الأراضي، إلغاء قيود بيع الأراضي لليهود، توسيع صلاحيات الهدم، سحب صلاحيات بلدية الخليل، إنشاء "هيئة تراث يهودا والسامرة"
الدلالات
- الانتقال من الإدارة إلى السيادة: التحول لا يقتصر على تعديل أدوات الإدارة، بل يعكس نية معلنة لدى فاعلين استيطانيين يمسكون بمفاصل القرار لتثبيت سيادة إسرائيلية دائمة وإعادة تشكيل المجال الجغرافي والقانوني والديمغرافي بما يخدم متطلبات الضم الفعلي.
- تعدد مستويات صنع القرار: بات المستوطنون شركاء مؤسسيين ممتدين عبر الوزارات والمجالس الإقليمية والمنظمات الأهلية، ما يوسّع دائرة الفاعلين الذين يتوجب على الجانب الفلسطيني رصدهم ومساءلتهم، ويصعّب إمكانية عكس هذا المسار مستقبلًا.
- إضعاف تراكمي غير قابل للعكس بسهولة: يترافق تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية مع تجميد أموال المقاصة وتقييد الحركة والبناء الفلسطيني، بما يحد من قدرة السلطة على أداء وظائفها الأساسية، في وقت لا يزال فيه الفعل الفلسطيني والدولي متأخرًا عن وتيرة التحولات ذاتها.
- تواضع الاستجابة الدولية: يقتصر الموقف الدولي غالبًا على الاعتراض اللفظي على الاستيطان دون تطوير أدوات ضغط فعالة، باستثناء عقوبات محدودة فرضتها بعض الدول على أفراد ومنظمات استيطانية بعينها، ما يترك المجال مفتوحًا أمام استمرار هذه السياسات.
قراءة مستقبلية
تشير المعطيات المتراكمة إلى أن الضفة الغربية تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الحدود التي رسمتها اتفاقيات أوسلو كمرجع عملي لتنظيم الصلاحيات، مقابل صعود نموذج يقوم على توسيع الولاية الإسرائيلية بصورة تدريجية ومتعددة المستويات. وفي غياب تحول نوعي في أدوات الفعل الفلسطيني والدولي، من المرجح استمرار هذا المسار على النحو التالي:
- استمرار وتوسّع نقل الصلاحيات من الإدارة المدنية العسكرية إلى مؤسسات إسرائيلية ذات طابع استيطاني، مع احتمال امتداد هذا النمط إلى مناطق إضافية خارج المنطقة "ج".
- تعزّز الترابط الجغرافي بين التكتلات الاستيطانية عبر مشاريع البنية التحتية والمزارع الرعوية، بما يقلص تدريجيًا مساحة التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.
- تصاعد الضغوط المالية والسياسية على السلطة الفلسطينية على نحو قد يهدد قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الحالية، وسط تباين في القدرة أو الاستعداد الدولي لموازنة هذا الضغط.
- بقاء احتمال التصعيد التشريعي (مشاريع قوانين الضم والسيادة) قائمًا كأداة ضغط وتفاوض حتى في حال عدم إقرارها فعليًا، بما يرسّخ وقائع سياسية وقانونية يصعب التراجع عنها لاحقًا.
توصيات
تفرض هذه التحولات على صنّاع القرار الفلسطيني وشركائهم إعادة تقييم افتراضات العمل السابقة، ومن أبرز المداخل التي ينبغي البناء عليها:
- مراجعة مدى صلاحية مبدأ "تفويت العاصفة" كنهج للتعامل مع تحولات تستهدف إعادة هندسة الضفة الغربية بصورة دائمة، مقابل تبني مقاربة استباقية تعمل على تثبيت الوجود الفلسطيني ومنع ترسيخ الوقائع الجديدة.
- تطوير أدوات وسياسات فلسطينية أكثر فعالية لحماية الوجود الفلسطيني في المنطقة "ج"، وللحدّ من الخسائر التراكمية غير القابلة للعكس.
- إعادة تخصيص الموارد الدبلوماسية والقانونية نحو مسارات جديدة، بدل الاكتفاء بزيادة الجهد الكمي ضمن الأطر القائمة، عبر مراجعة نقدية شاملة لافتراضات السياسة الخارجية الفلسطينية.
- العمل على بناء منظومة حماية عربية-دولية للوجود الفلسطيني في المناطق المهددة، وتوسيع العقوبات والإجراءات التقييدية الدولية لتشمل مزيدًا من الأفراد والمنظمات الاستيطانية ضمن مسار ضغط قانوني وسياسي تراكمي.
- صياغة استراتيجية فلسطينية استباقية قادرة على منع تحول التغيرات الإدارية والقانونية والجغرافية التي تفرضها إسرائيل إلى حقائق راسخة تحدّ مسبقًا من ملامح أي تسوية سياسية مستقبلية.
