تشير قراءتان تحليليتان نشرتا في صحيفتي "يديعوت أحرونوت" و**"هآرتس"** العبريتين إلى تنامي القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية من تصاعد الدور الإقليمي لتركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة عقب الحرب مع إيران، وما يرافقها من إعادة رسم للتحالفات الإقليمية والدولية.
تركيا... التحدي الاستراتيجي الجديد
يرى الدكتور ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، في مقاله المنشور بصحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان "تركيا.. عدو إسرائيل الجديد"، أن الخطاب الإسرائيلي بات يتعامل مع تركيا باعتبارها "التحدي الاستراتيجي الجديد" بعد إيران، إلا أنه يحذر من المبالغة في تصوير أنقرة كعدو يسعى إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، مؤكداً أن الواقع أكثر تعقيداً من الخطابات السياسية المتبادلة.
أربع ملفات تقلق إسرائيل
ويحدد ميلشتاين أربع ملفات يعتبرها مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل، تتمثل في التوسع التركي داخل سوريا، وسعي أنقرة للحصول على مقاتلات F-35 وتطوير صناعاتها العسكرية، واستمرار الدعم التركي لحركة حماس، إضافة إلى المنافسة على مشاريع الطاقة والنقل البحري في شرق المتوسط، والتي قد تؤثر في المصالح الإسرائيلية مستقبلاً.
كما يشير إلى أن تركيا أصبحت من أبرز المستفيدين من التحولات الإقليمية منذ السابع من أكتوبر، عبر توسيع نفوذها في سوريا وليبيا والصومال والعراق، إلى جانب تعزيز علاقاتها مع عدد من الدول العربية.
تجنبوا المواجهة
ورغم هذه المخاوف، يؤكد الكاتب أن أنقرة ما زالت تحافظ على قنوات اتصال مع إسرائيل، وأن أردوغان، رغم تصعيده الخطابي، يتجنب الوصول إلى مرحلة القطيعة الكاملة أو المواجهة العسكرية، مراعاةً لعلاقاته مع الولايات المتحدة ورغبته في الحفاظ على حضوره في الملف الفلسطيني، خاصة في القدس والمسجد الأقصى.
ويخلص إلى أن إسرائيل ليست بحاجة إلى فتح جبهة جديدة مع تركيا في ظل انشغالها بإيران ولبنان وغزة، داعياً إلى إدارة الخلاف سياسياً بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.
طموح تركي لقيادة النظام الأمني
وفي السياق نفسه، يقدم تسفي برئيل، المحلل المختص بشؤون الشرق الأوسط في صحيفة "هآرتس"، قراءة مختلفة تركز على الطموح التركي لإعادة صياغة النظام الأمني في المنطقة، وذلك في مقاله "تركيا تتطلع لتكون قائدة النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط". ويرى برئيل أن أنقرة تستثمر التحولات الإقليمية، والعلاقة الوثيقة بين أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتعزيز مكانتها كقوة محورية، لا تكتفي بدور الوسيط، وإنما تسعى إلى قيادة ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط.
الصناعات العسكرية وقمة الناتو
ويشير الكاتب إلى أن تركيا نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، وتحولت إلى واحدة من أكبر منتجي الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية داخل حلف الناتو، مع خطط لتوسيع إنتاجها العسكري بشكل كبير. ويرى أن استضافة أنقرة لقمة الحلف تمثل فرصة لتقديم نفسها باعتبارها شريكاً استراتيجياً رئيسياً بين الغرب ودول الخليج، وليس مجرد حلقة وصل بين الشرق والغرب
رؤية تواجه تحديات
كما يوضح برئيل أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يعمل على الترويج لفكرة إنشاء منظومة أمنية إقليمية تعتمد على التعاون بين دول المنطقة بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية، إلا أن هذه الرؤية لا تزال تواجه عقبات تتعلق بتباين مواقف دول الخليج، واستمرار عضوية تركيا في حلف الناتو، وهو ما يفرض عليها التزامات قد تحد من قدرتها على قيادة تحالف أمني مستقل.
واشنطن بين حليفين
وتتفق المقالتان على أن العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان تمثل عاملاً مؤثراً في موازين القوى الحالية، وأن واشنطن تجد نفسها أمام تحدي إدارة التنافس المتصاعد بين اثنين من أهم حلفائها في المنطقة، في وقت تتزايد فيه مؤشرات إعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد الحرب مع إيران.
الخلاصة
ويخلص الكاتبان، رغم اختلاف زاوية المعالجة، إلى أن تركيا أصبحت لاعباً إقليمياً يصعب تجاهله، وأن تمدد نفوذها السياسي والعسكري يمثل أحد أبرز المتغيرات التي ستؤثر في مستقبل الشرق الأوسط، سواء من خلال المنافسة مع إسرائيل أو عبر محاولاتها بناء ترتيبات أمنية جديدة بالتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية.
