القاهرة من جديد… والانتخابات الإسرائيلية ترسم سقف المفاوضات

الوفود الفلسطينية
الوفود الفلسطينية

في كل مرة تتجه فيها الوفود الفلسطينية إلى القاهرة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة:

هل اقتربت نهاية الحرب؟

واليوم (الثلاثاء)، مع انطلاق جولة جديدة من الحوار بين حماس والفصائل والوسطاء لمناقشة تعديلات نيكولاي ميلادنوف الأخيرة، يبدو المشهد مألوفًا إلى حد كبير، وكأن الزمن توقف قبل أسابيع.

القصف الإسرائيلي لم يتراجع.

الغارات لا تتوقف، وعدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار تجاوز 1050 شهيدًا، بينما تتقدم الدبابات على الأرض بالتوازي مع استمرار المفاوضات في القاهرة.

وفي الوقت ذاته، يواصل الاحتلال دحرجة مكعباته الصفراء على الأرض، فارضًا وقائع جديدة أسرع بكثير من أي تقدم يمكن أن تحققه طاولة الحوار، فيما يكرر بنيامين نتنياهو تعهده بالوصول إلى السيطرة على ما لا يقل عن 70% من مساحة قطاع غزة.

في المقابل، تستعد حماس لتقديم رد جديد، صيغ بعد مشاورات مع الفصائل والوسطاء، ويُتوقع أن يحمل درجة عالية من المرونة، تمامًا كما حدث في الجولة السابقة.

يومها، بدت الأجواء مختلفة.

الوسطاء تحدثوا عن موقف فلسطيني متقدم، ورأوا أن الحركة ذهبت بعيدًا في محاولة إنجاح المسار التفاوضي، وحتى ميلادنوف نفسه أبدى ارتياحًا واضحًا للتعديلات التي قدمتها حماس.

لكن ذلك التفاؤل لم يعش طويلًا.

فما إن غادرت الوفود القاهرة، حتى عاد ميلادنوف بعد لقائه حكومة الاحتلال بورقة مختلفة، حملت تعديلات جوهرية أعادت النقاش إلى نقطة البداية، وكأن كل ما تحقق خلال أيام من الحوار تبخر في ساعات قليلة.

ومنذ ذلك الوقت، لم تعد المشكلة الأساسية في مقدار المرونة الفلسطينية، بل في مكان آخر تمامًا.

فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن حكومة نتنياهو لا تنظر إلى ملف غزة باعتباره ملفًا تفاوضيًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من حملتها الانتخابية المقبلة.

فالانسحاب من غزة، أو إظهار أي تراجع عسكري، لا يخدم الخطاب الذي يسعى نتنياهو إلى تسويقه للناخب الإسرائيلي، وهو خطاب يقوم على التشدد، واستمرار الضغط العسكري، والتلويح الدائم بالقوة في غزة ولبنان وسوريا.

ولهذا، حتى أكثر السيناريوهات تفاؤلًا لا تبدو كافية لتغيير هذا السلوك.

بل إن التقديرات تشير إلى أنه حتى لو قدمت حماس والفصائل أقصى درجات المرونة، ووافقت على معظم المطالب المطروحة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انسحابًا إسرائيليًا قريبًا، لأن قرار الانسحاب لم يعد مرتبطًا فقط بما يجري داخل غرف التفاوض، وإنما أيضًا بحسابات السياسة الداخلية في إسرائيل.

وهنا تكمن المفارقة.

فالقاهرة قد تنجح في تقريب وجهات النظر بين الفلسطينيين والوسطاء، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير الحسابات الانتخابية لنتنياهو.

في المقابل، تبدو واشنطن أكثر إدراكًا من أي وقت مضى أن استمرار هذا الجمود لا يوجه ضربة للفلسطينيين وحدهم، بل يهدد أيضًا مشروعها السياسي في المنطقة، بعدما تحول التعطيل الإسرائيلي إلى أحد أبرز أسباب تعثر خطة ترامب ومجلس السلام.

وليس خافيًا أن الإدارة الأمريكية تدرك أن نتنياهو هو الحلقة الأكثر تعطيلًا لهذا المسار، وهو ما ظهر بوضوح منذ التفاهم الأمريكي الإيراني، حين برزت مخاوف من أن يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى إفشال أي مسار تفاوضي لا يخدم حساباته السياسية.

لكن، في الوقت نفسه، لا تبدو واشنطن قادرة على ممارسة ضغط حاسم عليه قبل الانتخابات.

فنتنياهو يريد أن يظهر أمام جمهوره باعتباره الزعيم الذي يقول “لا” حتى للإدارة الأمريكية، بينما تبدو واشنطن، رغم إدراكها لطبيعة المشكلة، مقيدة أكثر مما ترغب في إظهاره.

لذلك، ينبغي أن يبقى سقف التوقعات من جولة القاهرة واقعيًا.

فإذا نجح الوسطاء في انتزاع خطوات تحد من التصعيد، وتخفف الاستنزاف العسكري، وتحسن تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، فسيكون ذلك إنجازًا مهمًا في هذه المرحلة، حتى وإن بقي الاتفاق الشامل مؤجلًا.

أما الرهان على أن تغير هذه الجولة وحدها قرار الحكومة الإسرائيلية بالانسحاب، فيبدو حتى الآن رهانًا يصطدم بصندوق الاقتراع الإسرائيلي أكثر مما يصطدم بطاولة المفاوضات في القاهرة.

ولهذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا ستقول حماس في ردها؟

بل: هل ما زال مستقبل غزة يُكتب على طاولة القاهرة… أم أن صندوق الاقتراع الإسرائيلي أصبح هو من يحدد مسار الحرب، وعمر الهدنة؟ وحدود اي اتفاق محتمل؟

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo