صدر مؤشر السياسة الخارجية الإسرائيلية وثيقةٌ بحثية سنوية يُصدرها معهد "ميتفيم" الإسرائيلي، وهو مركز أبحاث متخصص في دراسة السياسة الخارجية الإسرائيلية وعلاقات إسرائيل الإقليمية والدولية. يستند المؤشر إلى استطلاع رأي يشمل عينة تمثيلية من الجمهور الإسرائيلي.
تكمن أهمية هذا المؤشر في أنه لا يقتصر على رصد اتجاهات الرأي العام تجاه ملفات السياسة الخارجية، بل يتجاوز ذلك ليُقدّم صورة مركّبة عن بنية التفكير الإسرائيلي في قضايا الحرب والسلام والعلاقات الإقليمية والدولية، لذلك، يُشكّل هذا المؤشر أداةً تحليلية نادرة تجمع بين قياس النبض الشعبي ورسم ملامح المزاج السياسي الإسرائيلي العام عشية استحقاق انتخابي مفصلي.
أولاً: التوقيت
صدر المؤشر في لحظة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها ثلاثة عوامل ضاغطة:
- حروب لم تُحسم في غزة ولبنان وإيران
- انتخابات برلمانية وشيكة تُعيد رسم المشهد السياسي
- تآكل متسارع في المكانة الدولية لإسرائيل
يُشكّل المؤشر بذلك مرآة كاشفة لحالة الوعي الجمعي الإسرائيلي، لا لمواقف النخبة السياسية وحدها.
ثانياً: معطيات مهمة:
1- القلق من العزلة
عبر 66% من المستطلعين عن قلقهم القلق من تحول إسرائيل إلى "دولة منبوذة"، مقارنة بـ 57% العام الماضي.
الدلالة التحليلية: الارتفاع الحاد في نسبة القلق (9 نقاط في عام واحد) يعكس وعياً متزايداً بكلفة العزلة، غير أن هذا القلق لا يُترجَم إلى ضغط شعبي لمراجعة السياسات المُنتِجة لهذه العزلة. وهو ما يُشير إلى فجوة بين الإدراك والإرادة السياسية.
2- الرهان على ترامب
- 31 % يرون أن سياسات ترامب تضر بالمصالح الإسرائيلية
- 27 % يعتقدون أنها مفيدة على المدى القصير وضارة على المدى البعيد
- نسبة محدودة ترى أنها تخدم إسرائيل بشكل فعلي
الدلالة التحليلية: يتشكّل لدى الرأي العام الإسرائيلي وعي نقدي تجاه الحليف الأميركي، وهو أمر غير مألوف تاريخياً. فرض ترامب وقف إطلاق النار في غزة وإيران ولبنان يُدرَك محلياً كـتضييق لهامش المناورة الإسرائيلية أكثر من كونه دعماً.
3- الملف الفلسطيني: انقسام حاد وتردد واسع
حول صفقة الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح مقابل التطبيع الكامل:
- 41 % مؤيدون
- 40 % معارضون
- 20% لم يحسموا موقفهم
في غزة:
- 59 % يؤيدون مشاركة إسرائيلية في إعادة الإعمار (ضمن جهد دولي لا منفرداً)
- 48 % يرون أن الضغط العسكري هو الأداة الأنجع
- 32 % يؤيدون العودة للقتال واحتلال القطاع بالكامل
الدلالة التحليلية: الانقسام شبه المتساوٍ (41% مقابل 40%) لا يُشير إلى صعود خيار سياسي جديد، بل إلى حالة تعادل بين خيارات متكافئة الكُلفة. المجتمع الإسرائيلي يريد الاستفادة من نتائج الحرب دون تحمّل مسؤولية سياسية كاملة عنها.
4- الضفة الغربية ومشروع السيادة
الحلول المُفضَّلة للصراع:
- 30 %يفضلون الضم وتطبيق السيادة الإسرائيلية ← الخيار الأعلى
- %25 يؤيدون حل الدولتين ضمن تطبيع إقليمي
- 14 %يفضلون إدارة الصراع وفق الوضع القائم
ملاحظة لافتة: 42% يربطون بين تشريعات "الإصلاح القضائي" والدفع نحو فرض السيادة على الضفة، مما يكشف عن وعي شعبي بأن التغيير القضائي أداةٌ لمشروع استيطاني وليس إصلاحاً تقنياً.
5- التطبيع: بوابة إيران تتقدم على بوابة غزة
عبر 32% من الجمهور عن رأسهم أن القضية الفلسطينية عبء وأن غزة تهدد مستقبل التطبيع بالتوازي رأى 37% أن الحرب مع إيران فرصة تعزز التطبيع
مع السعودية:
- 41 % يقبلون تقديم خطوات عملية تجاه الفلسطينيين مقابل التطبيع
- 39 %يرفضون أي تنازل
الدلالة التحليلية: يُميّز الوعي الإسرائيلي بوضوح بين مسارين: القضية الفلسطينية كعائق، والملف الإيراني كرافعة. التطبيع مع الرياض يحتفظ بجاذبية واسعة، لكنه يصطدم بـسقف داخلي صلب يرفض أي اعتراف سياسي بالفلسطينيين.
6- إيران: موقف حاد
- 37 %يرون أن الانسحاب من الاتفاق النووي 2018 كان خطأً
- 31 % يرونه قراراً صحيحاً
- 32 % لم يحسموا رأيهم
لكن في المقابل:
- 42 % يدعمون جولة عسكرية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني
- 15 % يدعمون عملية عسكرية للوصول إلى اتفاق أفضل
- %16 فقط يرون أن الوقت حان للتوجه نحو تسوية دبلوماسية
الدلالة التحليلية: النقد بأثر رجعي لسياسة 2018 لا يُفضي إلى تفضيل الدبلوماسية اليوم. الغالبية تُفضل استمرار منطق القوة حتى مع إدراكها لأخطاء الماضي، وهو مؤشر على عمق ثقافة الحسم العسكري في الوجدان الإسرائيلي.
7- لبنان وسورية: لا للمغامرة
- 63 % يرون أن المنطقة الأمنية في جنوب لبنان تخدم أمن الشمال على المدى البعيد
- ميل واضح نحو ترتيبات مؤقتة أو طويلة الأمد مع النظام السوري الجديد بدلاً من الدعوة لإسقاطه
ثالثاً: الاستنتاجات الكبرى
1- مجتمع قلق لكن غير مستعد للمراجعة الجذرية يُدرك الرأي العام الإسرائيلي أثمان الحرب والعزلة، لكنه يظل مشدوداً إلى أدوات القوة ومنطق السيطرة.
2-الانقسام الحزبي يُعيق تشكُّل إجماع وطني الهوّة بين ناخبي الائتلاف والمعارضة واسعة في كل ملف، مما يُصعّب بناء سياسة خارجية ذات توافق داخلي.
3-الفلسطينيون في دائرة الأمن لا السياسة لا يزال النظر إلى الفلسطينيين يجري عبر منظار الأمن والمقايضة الإقليمية، بعيداً عن الاعتراف السياسي الحقيقي.
4- لتطبيع العربي وارد لكن محدود السقف الاستعداد للتطبيع مرتفع، لكنه يصطدم بخطوط حمراء داخلية تتعلق بالقدس والاستيطان والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
5-إيران تبقى محرك السياسة الإقليمية تحتل إيران مكانة استراتيجية في الوعي الإسرائيلي، وتُستخدم ورقةً لتسويغ التطبيع وتبرير الخيار العسكري في آنٍ معاً.
رابعاً: الخلاصة
يقدم مؤشر 2026 صورة لمجتمع يقف عند مفترق طرق دون أن يختار بوضوح. الخوف من العزلة حاضر، والاستعداد لبعض التسويات وارد، لكن الإرادة السياسية لمراجعة منطق القوة غائبة. وما لم تُنتج الانتخابات القادمة قيادةً تُحوّل هذا القلق إلى سياسة، فإن إسرائيل ستواصل مسارها الحالي: تراجع الشرعية الدولية مع استمرار منطق السيطرة، وهو معادلة غير مستدامة على المدى البعيد.
