للدقة أولاً: لم أسمع شخصياً من جهة رسمية، أو ناطق رسمي لحماس أي تعليق على ما يسمى بثورة 26/6، وهذا بالمناسبة ما نعرفه عن حماس في الحراكات السابقة التي شهدتها فترة سيطرتها على قطاع غزة، فهي تتعمد ربما ألا تُسجل على نفسها خطابات رسمية تظهر فيها كجهة قمعية لا تؤمن بحق الشعوب في التظاهر السلمي، لكن ميدانياً، ولا مرة واحدة تعاملت حماس مع الحراكات الشعبية إلا من خلال الحلول الأمنية، وبالعصا الغليظة، حتى أنها لم تكتف بمواجهة المتظاهرين بأجهزتها الحكومية، إنما أقحمت القسام نفسه في قمع المتظاهرين، هذا الجهاز الذي من المفترض أنه جهاز خاص فقط بمقاومة الاحتلال، إلا أنه فعلياً وفي كل مرة تقحمه في مواجهة المحتجين!!!
هذه المرة، وتحديداً بخصوص ما يشاع عن حراك شعبي، أو كما يحب مطلقوه تسميته بثورة 26/6، أيضاً لم تعلق حماس بشكل رسمي، لكنها أطلقت عشرات الكتاب عبر السوشيال ميديا، ليس فقط لمعارضة فكرة الحراك، إنما لشيطنته بكل السبل، تخويناً، وجوسسة، وبألفاظ لا يُفهم كيف يستخدمها ويطلقها منتمون لأفكار دينية. الشيطنة لم تقتصر على الفكرة ذاتها، إنما طالت الأشخاص الداعين لها، جوسسة، وتخويناً، وبألفاظ لم تعتدها ساحتنا الفلسطينية، لكن من اللافت أن معظم الذين قرأت لهم شخصياً ليسوا من سكان قطاع غزة، أو القاطنين فيها، إنما جميعهم- تقريباً- من أناس خارج غزة، وأحياناً صفحات وهمية تنطلق كالذباب للهجوم على أي مدافع عن حق الفلسطينيين في غزة في الدفاع عن فكرة التظاهر والاحتجاج، حتى أنا شخصياً لم أسلم من هذا الهجوم، رغم أنني لست من الداعين للحراك، ولا أعرف أصحابه شخصياً، إلا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة الفيس بوك، لكني كغيري أدافع عن فكرة التظاهر السلمي، وحق الشعوب في التعبير عن رأيها.
حدة الألفاظ والتوصيفات المستخدمة في مهاجمة الحراك والداعين إليه تشي بالكثير من الخوف، بل الرعب من نجاح الحراك، رغم أنه مع قليل من الفحص قد لا يغير من واقع غزة كثيراً، ولا يهدد مؤسسات لم تعد موجودة أصلاً، حيث لا مراكز شرطة واضحة، ولا مؤسسات حكومية علنية، ولا شيء من مظاهر الحكم المتعارف عليها موجودة أصلاً في غزة، ومن المتوقع ألا تتجاوز حدود فعاليات الحراك مسيرات سلمية، وهتافات، في أقصاها قد تطالب بإسقاط حكم حماس، وهذا أقل بكثير مما تشهده دول كثيرة في العالم- ومنها دولة الاحتلال- دون أن تذهب حكومات هذه الدول تجاه شيطنة، أو تخوين المتظاهرين، لكن في غزة التي لا تختلف عن أي دولة من دول العالم الثالث البعيد كل البعد عن قيم الديمقراطية تستخدم حماس هنا لغة التخوين، والتشكيك، ثم تلجأ لاستخدام عصا الأمن الغليظة.
لو كنت مكان حماس لتركت الحراك يعبر عن نفسه كما يُحب، فهو في أهم وجوهه صرخة ضد القتل، والإبادة التي يتعرض لها الغزيون، وكان يمكن لحماس أن تظهره كصرخة شعبية ضد الإبادة، وحتى في شقه المعارض لحماس، فمن مصلحتها ألا تبدو كجهة قمعية، لا تمارس العنف ضد أعدائها فقط، إنما ضد شعبها أيضاً.

لكن لماذا كل هذا القلق من الحراك؟
يبرر مهاجمو الحراك هجومهم وشيطنتهم للحراك بعدة مبررات، جميعها ليست كافية لكل هذا الهجوم، فمثلاً: يدّعون أحياناً أن توقيت الحراك مشبوه، فهو جاء في لحظة المفاوضات حول مستقبل غزة، لذا فهو يسعى لإفشال هذه المفاوضات! طبعاً يتناسى أصحاب هذه الذريعة أن المفاوضات حول غزة لم تتوقف منذ ثلاث سنوات، ويبدو أنها لن تتوقف، وإن كانت هذه الحجة كافية، فهذا يعني ألا يمنح الناس حق التظاهر مطلقاً، ويقولون أيضاً: إن هذا الحراك ليس بريئاً، فهناك جهات تدعمه من الخارج تستهدف حماس، بل المقاومة ذاتها، ومنها السلطة الفلسطينية، وحركة فتح، وبالطبع فإن هذه التهمة معتادة من كل دكتاتوريات المنطقة، فدائماً هناك ما ينسب إلى مؤامرات خارجية، أما السلطة، وحركة فتح، فبرأيي فإن فتح ليست من خارج النسيج الوطني، بل أهمه، وإذا كان دعمها لمظاهرات سلمية في غزة جريمة، فيمكن اعتبار التظاهرات التي تدعمها حماس في الضفة جريمة أيضاً.
هناك أسباب حقيقية لا علاقة لها بكل هذه الديماغوجيا التي يرددها مهاجمو الحراك، يمكن ذكر أهمها فيما يلي:
أولاً: صدّرت حماس صورة عن نفسها في غزة للشعوب العربية والإسلامية، مفادها أنها ممثلة للكل الفلسطيني، وفي حال حدث حراك حقيقي، وخرجت الجماهير بهتافات معارضة لحماس فلسوف تسقط هذه الصورة.
ثانياً: تحاول حماس ألا تخرج للعالم الخارجي موقف المدنيين في غزة، وحجم الألم والقهر الذي يتعرضون له، وعدم رضاهم عن طريقة حماس في المقاومة، وبالتالي فليس من مصلحتها خروج صورة مغايرة للصورة التي تم تصديرها كل الوقت.
ثالثاً: حماس آخر معاقل الإخوان المسلمين، ولا نبالغ لو قلنا: إن حماس الآن هي درة تاج الإخوان، وهناك استماتة ليس فقط من طرف حماس، إنما من طرف كل الإخوان ألا تظهر أهم تجاربهم كتجربة فاشلة جلبت الدمار والخراب لشعبها.
رابعاً: حماس جزء من الإسلام السياسي، وتحمل ذات أفكار الأيدلوجيات الدينية، التي لا تعرف الاختلاف والتنوع، إنما تنحصر خياراتها ومواقفها دائماً بين ثنائيات، مؤمن وزنديق، مقاوم وعميل، لذا فهي على الحقيقة لا ترى في مخالفيها مساوين لها، من حقهم أن يعبروا عن آراء مخالفة لها.
خامساً: أظن أن معظم الدعم الذي تتلقاه حماس وتجمعه يعتمد على زعمها بأنها ممثلة للكل الفلسطيني، والمقاومة الفلسطينية، ولا شك أن خروج أصوات شعبية تنفي عنها ادعاءها هذا سيؤثر على حجم الدعم الذي بواسطته تحافظ على نفسها.
ختاماً:
ومع كل ما سبق فإن حماس يمكنها- إن أرادت- أن تستفيد من نشر صورة فيها متسع للمخالفين، فتنفي عن نفسها ما باتت تُتّهم به عالمياً، لكني وبكل أسف أشك في أن حماس ستتخلى عن طريقتها الأمنية العنيفة في مواجهة أي صوت لا يوافقها.
أتمنى من كل قلبي أن تخيب ظنوني هذه المرة، ولكن..... هيهات.
