"تمنيت الموت"

العنف الجنسي في سجون الاحتلال: شهادات مروعة من وراء القضبان

العنف الجنسي في سجون الاحتلال
العنف الجنسي في سجون الاحتلال

منذ السابع من أكتوبر 2023، تحوّلت مراكز الاحتجاز الإسرائيلية — وفي مقدمتها معسكر "سدي تيمان" — إلى فضاءات معزولة عن أي رقابة دولية، شهدت أنماطاً ممنهجة من العنف الجنسي والتعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة.

"ثقوب سوداء" قانونية

وصف معتقلون مُفرج عنهم مرافق احتجاز تضم غرفاً مجهزة بطاولات معدنية مثبتة بالأرض وسلاسل متدلية من السقف وكاميرات مراقبة — بنية مادية لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها مُعدّة لممارسة التعذيب. وطوال أكثر من عامين، لم تتمكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة أي معتقل فلسطيني واحد في هذه المرافق، في حين تلقّى كثير من المفرج عنهم تهديدات صريحة من ضباط مخابرات إسرائيليين قبيل الإفراج عنهم بعدم الإفصاح عما شهدوه.

شهادات الاغتصاب

وثّق التقرير الحقوقي حالات اغتصاب بالإيلاج المباشر وباستخدام أدوات صلبة وبتوظيف كلاب عسكرية مدرّبة. فيما يلي شهادات بأسماء مستعارة لحماية أصحابها:

"وجدي"، 43 عاماً — أمضى عاماً كاملاً في الاعتقال:

"قيدوني عارياً على سرير حديدي، وقام جندي باغتصابي، شعرت بألم شديد في فتحة الشرج. كان الجنود يصورون ويسخرون مني. تركني الجندي بعد أن أنزل سائله المنوي داخلي. كنت في وضع مهين، تمنيت الموت، وكان هناك نزيف لديّ. ثم في وقت لاحق أحضروا كلباً، قام باغتصابي أيضاً."

"حسن"، اعتُقل أكتوبر 2024 من شمال غزة:

"بعد مرور قرابة شهر ونصف على اعتقالي، كانت هناك أربع مجنّدات يلبسن لباس الجيش الإسرائيلي. بعد تعريتي وتكبيلي دفعتني إحداهن فوقعت أرضاً، وأمسكت أخرى عصا وأدخلتها في فتحة الشرج وكنت أصرخ من الألم وهن يضحكن."

معتقلة، 42 عاماً — شمال غزة:

"في اليوم الثالث اقتادني أربعة جنود ملثمون إلى غرفة ضيقة بها طاولة معدنية مثبتة بالأرض. تناوب جنديان على اغتصابي بعنف فيما تولى الجنديان الآخران توثيق الاعتداء وتصويره. تعرّضت للاغتصاب أربع مرات خلال يومين متتاليين."

ما تكشفه الشهادات المتقاطعة

رصد التقرير جملةً من الأنماط المتكررة التي تعكس طابعاً مؤسسياً لا فردياً:

  • التعرية القسرية المنهجية: أفاد جميع المعتقلين الذين جرت مقابلتهم، دون استثناء، بتعرّضهم للتعرية الجسدية القسرية في مرحلة من مراحل الاعتقال.
  • الاعتداء على الأعضاء التناسلية: أفاد معتقلون بأن ضغطاً عنيفاً على الخصيتين أفضى في حالات موثقة إلى استئصالها جراحياً. قال "خليل"، 48 عاماً: "قام جندي بالضغط القاسي على إحدى خصيتي حتى فقدت وعيي. عندما استيقظت وجدت نفسي في مستشفى. علمت أنهم استأصلوا إحدى خصيتي."
  • التهديد بالاغتصاب كأداة تحقيق: قالت المعتقلة (ن.أ): "هددنا الجنود خلال التحقيقات بأننا سنتعرض للاغتصاب في حال لم ندلِ ببيانات. تكرّر التهديد بالاغتصاب لي ولمعظم المحتجزات في معظم مرات التحقيق."
  • المشاهدة القسرية: أجبر معتقلون على مشاهدة اعتداءات جنسية على آخرين. نقل المحامي خالد محاجنة عن الصحفي الأسير محمد عرب قوله: "أُجبر ستة أسرى على التعري والوقوف على الحائط، ثم اغتصبوا أحدهم بعصا أمامنا. كنا نبكي من الرعب."
  • التصوير والابتزاز: وثّق التقرير استخدام الصور والمقاطع المسجلة كأداة ابتزاز لإجبار المعتقلين على "التعاون". قالت إحدى الضحايا: "أروني صورًا لي وأنا عارية بالكامل. ثم شاهدت صور اغتصابي. هددني الضباط بنشرها إن لم أتعاون، فصعقوني بالكهرباء حتى فقدت الوعي."

تواطؤ المنظومة الطبية

اخترق الانهيار الأخلاقي المنظومة الطبية ذاتها. كشفت رسالة سرّبها طبيب إسرائيلي يعمل في المستشفى الميداني لمعسكر "سدي تيمان" أن "جميع المرضى مكبّلون من أطرافهم الأربعة... وفي هذا الأسبوع فقط خضع مريضان لبتر ساقيهما نتيجة إصابات ناجمة عن القيود البلاستيكية المستمرة." وأضاف الطبيب صراحةً: "إننا لا نخالف أخلاقيات الطب فحسب، بل نخالف القانون أيضاً."

وبحسب التقرير، صدرت تعليمات عسكرية تفرض على الطواقم الطبية طمس هوياتها واستبدال الأسماء والتواقيع برموز وأرقام، في إجراء يهدف إلى تحصين الجناة من الملاحقة الجنائية.

المساءلة: أرقام تكشف الإفلات من العقاب

خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى من الحرب، قدّمت النيابة العسكرية الإسرائيلية ثلاث لوائح اتهام فقط مرتبطة بجرائم في غزة، رغم توثيق آلاف الانتهاكات. ولم تُفضِ هذه الاتهامات إلا عن إدانة واحدة: سجن 7 أشهر لجندي احتياط بتهمة التنكيل بمعتقلين في معسكر "سدي تيمان"، في مقابل 98 حالة وفاة موثقة تحت التعذيب.

وتاريخياً، لم تتجاوز نسبة لوائح الاتهام ضد الجنود في جرائم ضد الفلسطينيين 0.81 %من مجمل الشكاوى المقدمة.

الأثر الممتد: جروح لا تُرى

لا تقف الجريمة عند لحظة وقوعها. قالت زوجة أحد المفرج عنهم:

"تغيّر سلوك وتعامل زوجي بعد الإفراج عنه. بعد ثلاثة أسابيع فهمت أنه تعرّض للاغتصاب بأداة. أصبح يعيش منعزلاً ويتجنب الاختلاط بأحد. حتى علاقتنا الزوجية لم يقم بها."

وأفاد المعتقل المُفرج عنه (ف.ب) بأنه بعد حديثه لوسيلة إعلامية تلقّى اتصالاً من رقم مجهول: "أنصحك بعدم الحديث للإعلام."

التكييف القانوني

خلصت لجنة مناهضة التعذيب الأممية في تقريرها الصادر نوفمبر 2025 إلى أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى "سياسة دولة منظمة". ويُصنّف التقرير الانتهاكات الموثقة جرائمَ حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي، مشيراً إلى أن استهداف القدرة الإنجابية للمعتقلين يُشكّل أحد أفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية ذات الصلة.

المصدر: تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان — 2025. جميع أسماء الشهود مستعارة حمايةً لسلامتهم.

المصدر : خاص-زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo