ان ما يثارمن جدل حول المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس هو المشكلة الحقيقية، فليست في أسماء من صعدوا أو خرجوا من مواقعهم القيادية. فالمؤتمر لم يصنع الأزمة الفتحاوية من عدم، بل أعاد إظهار بنية سياسية قائمة منذ زمن طويل، بنية لم تعد قادرة على تجديد ذاتها أو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني بما يليق بحجم اللحظة التاريخية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، خصوصًا بعد الكارثة الكبرى التي حلّت بقطاع غزة.
ما كشفه المؤتمر، أو أعاد كشفه، هو أن الأزمة أعمق من صراع مواقع داخل حركة فتح. إنها أزمة في بنية سياسية فلسطينية باتت تميل إلى إدارة الواقع القائم أكثر من سعيها إلى تغييره، وإلى المحافظة على توازنات السلطة أكثر من إعادة بناء المشروع الوطني الجامع. لذلك فإن التركيز على من بقي ومن أُقصي، أو على من ربح وخسر داخل اللجنة المركزية، يظل قاصرًا إذا لم يُربط بالسؤال الأهم: هل ما زالت البنية السياسية الفلسطينية قادرة على احتواء الكل الفلسطيني داخل بيت وطني واحد؟
هنا تبرز المفارقة الأكثر إيلامًا. فالمشروع الإسرائيلي قام، تاريخيًا وعمليًا، على تفكيك الفلسطينيين: أرضًا، وجغرافيا، ومؤسسات، ووعيًا، وتمثيلًا. قسم الفلسطيني بين داخل وشتات، بين ضفة وغزة، بين قدس ومعازل، بين لاجئ ومقيم ومحاصر. غير أن الخطر أن تتحول البنية السياسية الفلسطينية نفسها، من حيث تدري أو لا تدري، إلى أداة تعيد إنتاج بعض هذا التفكيك داخل المجال الفلسطيني. وكأن الضحية، بدل أن تقاوم منطق الجلاد، تبدأ بتقمصه سياسيًا: منطق الإقصاء، والاحتكار، والطرد من البيت السياسي.
بهذا المعنى يمكن الحديث، مجازًا، عن شكل سياسي من متلازمة استوكهولم: لا بمعناها النفسي الضيق، بل بوصفها استعارة لحالة تتماهى فيها الضحية مع بعض أدوات من يقهرها. فحين يعمل الاحتلال على تقسيم الفلسطينيين، ثم يعيد الفلسطينيون أنفسهم إنتاج الانقسام داخل مؤسساتهم وخطاباتهم وتمثيلهم، فإن المشكلة لا تعود فقط في قوة العدو، بل في انتقال بعض منطقه إلى داخل الجسد السياسي الفلسطيني.
ولا يعني ذلك تحميل حركة فتح وحدها مسؤولية الانقسام أو تآكل الوحدة الوطنية. فالانقسام نتاج مسارات متعددة، وتتحمل مسؤوليته أطراف عديدة، كما تغذيه شروط الاحتلال والإقليم والمصالح المتبادلة. لكن فتح تتحمل مسؤولية خاصة، لا من باب الاتهام، بل من باب وزنها التاريخي والسياسي. فهي الحركة الأكبر، والأقدم، والأكثر تجذرًا في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني، وهي القوة التي ارتبطت، أكثر من غيرها، بمنظمة التحرير الفلسطينية وبالتمثيل الدولي وبالشرعية المعترف بها أمام العالم.
ومن هنا فإن مسؤوليتها الوطنية والأخلاقية أكبر. فالمطلوب من حركة بهذا الحجم ليس أن تدير موقعها داخل السلطة فحسب، بل أن تبادر إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني كله. المطلوب منها أن تستعيد دورها كحركة تحرر، لا كجهاز يحرس بنية سياسية متكلسة. والمطلوب منها أن تجعل منظمة التحرير الفلسطينية بيتًا سياسيًا جامعًا لا إطارًا رمزيًا محدود الفاعلية، وأن تعمل على إعادة بنائها جذريًا بما يضم الكل الفلسطيني، داخل الوطن المحتل وفي الشتات.
لقد جعلت حرب غزة، بما حملته من مأساة إنسانية وسياسية كبرى، الباب مفتوحًا أكثر من أي وقت سابق لإعادة صياغة الخطاب الوطني الفلسطيني. فقد أعادت هذه الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش العالمي، ووسعت دائرة الاعتراف الشعبي والدولي بعدالة القضية، وكشفت حدود الرواية الإسرائيلية أمام قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. وكان يفترض أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد الخطاب الفلسطيني، وتقديم مشروع سياسي واضح للعالم يقوم على وحدة الشعب، وحقه في الدولة، والأمن، والكرامة، وتقرير المصير.
لكن ما يظهر حتى الآن أن البنية السياسية القائمة لم تلتقط عمق اللحظة. بدل أن تتحول المأساة إلى فرصة لإعادة بناء الوحدة الوطنية، تبدو السياسة الفلسطينية الرسمية في كثير من الأحيان وكأنها تميل إلى استثمار المكاسب الدولية المتولدة من الحرب داخل الإطار القيادي القائم، لا إلى تحويلها إلى مشروع وطني جامع. وهذا هو جوهر القصور: أن تتحول لحظة تاريخية كان يمكن أن تفتح باب إعادة التأسيس، إلى لحظة أخرى لإعادة إنتاج البنية نفسها.
المؤتمر الثامن لحركة فتح، في هذا السياق، لم يكن مجرد حدث تنظيمي. لقد بدا، في أحد وجوهه، استمرارًا لمنطق سياسي لم يعد قادرًا على إنتاج أفق جديد. وربما كان من بين ما أفرزه أو همّشه إقصاء أو إضعاف أصوات كانت تطالب، بدرجات مختلفة، بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير، وفتح الباب أمام شراكة وطنية أوسع. وإذا كان ذلك صحيحًا، فإن المشكلة لا تكون في نتائج المؤتمر فقط، بل في الرسالة السياسية التي حملها: استمرار البنية أهم من إعادة التفكير فيها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول النقد إلى تصفية حسابات مع أشخاص أو أجنحة. فبعض القيادات التي تنتقد اليوم كانت جزءًا من هذه المنظومة لسنوات طويلة، ولم تنجح، أو لم تستطع، أو لم ترغب بما يكفي، في تغييرها من الداخل. لذلك فإن النقد الحقيقي لا يكتمل إلا بالمراجعة الذاتية: كيف وصل النظام السياسي إلى هذه الدرجة من التآكل؟ كيف ابتلعت السلطة الحركة بدل أن تحتوي الحركة السلطة؟ وكيف تراجعت منظمة التحرير من بيت جامع إلى إطار محدود التأثير في لحظة يحتاج فيها الفلسطينيون إلى أوسع تمثيل ممكن؟
إن بقاء الانقسام هو الخطر الأكبر. فهو العمود الذي تستند إليه كل محاولات تصفية القضية الفلسطينية: تفكيك الجغرافيا، وإضعاف التمثيل، وتعطيل القرار الوطني، وتحويل الشعب الواحد إلى وحدات سياسية منفصلة. ولا يمكن لأي أفق سياسي جاد، ولا لأي اعتراف دولي متزايد، ولا لأي حديث عن دولة فلسطينية، أن يتحول إلى واقع إذا بقي البيت الفلسطيني منقسمًا ومطردًا منه جزء واسع من أهله.
لذلك فإن المسؤولية الكبرى اليوم ليست في عقد مؤتمر جديد، ولا في تغيير بعض الأسماء، ولا في إصدار بيانات أكثر حدة. المسؤولية الحقيقية هي في إعادة بناء منطق السياسة الفلسطينية: منظمة تحرير جامعة، شراكة وطنية حقيقية، تمثيل لا يحتكر الشعب، قيادة تعي أن السلطة ليست غاية، واستراتيجية تحول التحول الدولي بعد غزة إلى أفق سياسي فعلي نحو الدولة والحرية والأمن.
السؤال بعد المؤتمر الثامن ليس: من خرج ومن بقي؟ بل: هل تستطيع حركة فتح، بما تمثله من تاريخ وثقل وشرعية، أن تساعد في إعادة فتح البيت السياسي الفلسطيني لكل أبنائه؟ أم أن البنية القائمة ستواصل التكلس داخل سلطة محدودة الأفق، بينما يستمر الاحتلال في تقسيم الأرض، ويستمر الفلسطينيون، من حيث لا يريدون، في إعادة إنتاج بعض منطق التقسيم داخل بيتهم السياسي؟
إذا كان الإسرائيلي يطرد الفلسطيني من أرضه، فلا يجوز للفلسطيني أن يطرد الفلسطيني من بيته السياسي. هذه هي المسألة في جوهرها. وما لم تُفهم بهذا العمق، فإن أي حديث عن الدولة أو الاعتراف أو الشرعية سيبقى ناقصًا، لأن الدولة لا تُبنى ببنية منقسمة، والشرعية لا تصمد إذا ضاق البيت بأهله.
