تقدير موقف

الحراك الجديد حول غزة ..العقبات تُقرب مخاطر عودة الحرب والتهجير

ملف السلاح يمثل العقبة الأكثر تعقيداً
ملف السلاح يمثل العقبة الأكثر تعقيداً

الوضع الحالي

تعيش القضية الفلسطينية مرحلة بالغة الهشاشة؛ فبينما يُفترض رسمياً أن وقف إطلاق النار لا يزال سارياً منذ أكتوبر 2025، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية دون رادع يُذكر.

وشهد مايو 2026 استشهاد 119 مواطناً، وهو الأعلى منذ مطلع العام، فيما تجاوز الإجمالي التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 اثنين وسبعين ألف شهيد. وعلى الصعيد الميداني، وتسيطر إسرائيل على أكثر من 60% من أراضي القطاع وتسعى للوصول إلى 70%، مع تصريحات صريحة بشأن "التهجير الطوعي" ومواصلة الاغتيالات التي طالت كبار قادة الجناح العسكري لحماس.

المحاور الخمسة المتعثرة

تتمحور العقبات الجوهرية حول خمس ملفات مترابطة يعسر فصلها عن بعضها:

  1. ملف السلاح يمثل العقبة الأكثر تعقيداً. إسرائيل تتخذه ذريعةً لمواصلة احتلالها، وواشنطن تجعله شرطاً مسبقاً لأي إعادة إعمار أو تمويل دولي، في حين ترى حماس أن التخلي عن السلاح دون ضمانات موثوقة ورادعة يُعرّضها للإبادة.

الرؤية المصرية تقترح حلاً وسطاً: تسليم جزئي مرحلي مقابل وقف الاغتيالات وبدء الانسحاب، غير أن الجانب الإسرائيلي لم يُبدِ حتى الآن أي التزام حقيقي بهذه المعادلة.

  1. الانسحاب الإسرائيلي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً لمتطلبات أي اتفاق، إذ يُوسّع الاحتلال رقعة سيطرته يوماً بعد يوم، ويُلوّح بالعودة إلى محور نتساريم الذي يشطر القطاع نصفين.
  2. دخول لجنة التكنوقراط يظل معلقاً لأن إسرائيل تعيق عملها عملياً، رغم أن مصر والأردن يُدرّبان نحو عشرة آلاف شرطي فلسطيني في انتظار هذه اللحظة.
  3. التمويل الدولي مشروط بالاستقرار الأمني، وهو حلقة مفرغة: لا تمويل دون أمن، ولا أمن دون انسحاب، ولا انسحاب دون اتفاق على السلاح.
  4. القوات الدولية لا تزال في طور التصور النظري، ومرتبطة بنزع السلاح وفق خريطة ملادينوف.

الموقف الأمريكي

أكد وزير الخارجية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في مجلس النواب أن إدارة ترامب لا تزال متمسكة بخطة غزة، مشترطاً نزع سلاح حماس بوصفه ركيزةً لا تقوم الخطة بدونها، ومستنداً إلى أن المانحين والمستثمرين الدوليين لن يُقدموا على ضخ أموالهم في القطاع طالما بقيت الحركة مسلحة وتُلوّح باحتمال حرب جديدة.

وعن السقف الإسرائيلي، نفى روبيو صراحةً أن تتضمن الخطة الأمريكية سيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من غزة، مستبعداً طرح نتنياهو بالسيطرة على 70% من القطاع، ومؤكداً أن الهدف النهائي هو قيام إدارة غير تابعة لحماس مقرونة بترتيبات أمنية تحول دون تجدد الحرب.

بيد أن هذا الموقف يكشف في جوهره عن فجوة دالّة بين الخطاب والفعل؛ فواشنطن تُعلن معارضتها للتوسع الإسرائيلي والضم، لكنها لم تُترجم ذلك إلى أدوات ضغط ملزمة أو آليات تحقق فعلية. وهذه الفجوة هي التي تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لمواصلة ما تنفيه أمريكا نظرياً، مما يُضعف المصداقية الأمريكية وسيطاً ويُرسّخ قناعة حماس بأن الضمانات المطروحة تفتقر إلى الإلزام الحقيقي.

موازين القوى بين الأطراف

أولا: مصر: هي اللاعب المحوري في هذه المرحلة. دوافعها مزدوجة: قلق أمني وجودي من موجات التهجير نحو سيناء، وطموح إقليمي لجعل غزة جزءاً من حل شامل يشمل الملف الإيراني وحزب الله.

ثانيا: الولايات المتحدة تُفصح رسمياً عن معارضتها للضم الإسرائيلي وللسيطرة على 70% من غزة، لكنها لم تترجم هذا الموقف إلى ضغط ملموس. خطابها يؤكد أن "الخطة الأمريكية لا تتضمن ذلك"، لكن الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مغاير دون تدخل أمريكي فعلي.

ثالثا: حماس تقف في موقف دفاعي وإن لم تُقرّ بذلك. استمرار الاغتيالات واستنزاف كوادرها يُضعف قدرتها على التفاوض من موقع قوة، لكنه يُعزز في الوقت ذاته حجتها أمام قواعدها بأن الاحتلال لا يريد سلاماً حقيقياً. موقفها من إشراك باقي الفصائل يعكس محاولة لتوزيع المسؤولية وتوسيع مظلة الشرعية.

رابعا: إسرائيل تُحقق على الأرض ما لم تستطع تحقيقه في طاولة التفاوض؛ التوسع المستمر والاغتيالات والتجويع يخلقون وقائع تجعل أي اتفاق أصعب تطبيقاً يوماً بعد يوم.

خريطة ملادينوف

تمثل خارطة ملادينوف الخمسة عشر نقطة الإطار الدولي الوحيد الجاهز للتطبيق حالياً، وهي تحمل منطقاً تسلسلياً متماسكاً: التحقق من نزع السلاح يسبق الانسحاب، والانسحاب يمهد لإعادة الإعمار. غير أن غياب الضمانات الملزمة، لا سيما وقف الاغتيالات، يجعلها في نظر حماس وثيقة بلا أسنان. والأخطر أن الخطة تفترض حسن نية الطرف الإسرائيلي في التنفيذ، وهو افتراض تفنده الوقائع اليومية.

السيناريوهات المرجّحة

السيناريو الأول — تسوية تفاوضية جزئية (الأقل احتمالاً على المدى القريب): يتطلب أن تُقدّم واشنطن ضمانات ملزمة بوقف الاغتيالات، وأن توافق إسرائيل على انسحاب جزئي معلّق على التحقق، وأن تقبل حماس تسليماً رمزياً للسلاح لجهة فلسطينية. هذا السيناريو ممكن نظرياً لكنه يستلزم إرادة سياسية غائبة راهناً.

السيناريو الثاني — استمرار حرب الاستنزاف (الأكثر ترجيحاً): تتواصل الاغتيالات والتوسع الميداني وإعاقة اللجنة، مع إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحاً شكلياً. هذا يستنزف حماس تدريجياً ويُضعف أي حكومة فلسطينية بديلة، لكنه يُبقي الجرح نازفاً ويصعّب الحل طويل الأمد.

السيناريو الثالث — عودة الحرب الشاملة (خطر متصاعد): تصريحات نتنياهو وكاتس وتقارير الإعلام الإسرائيلي عن العودة إلى نتساريم تُشير إلى أن هذا الخيار حاضر على الطاولة. وسيترتب عليه ضغط هائل نحو التهجير باتجاه مصر، ما يُفسّر حجم القلق المصري.

الخلاصة

الوضع الراهن لا يمثل سلاماً ولا حرباً، بل هو استنزاف منظّم يخدم الطرف الأقوى ميدانياً. كل يوم تأخير في الاتفاق يترجم إلى توسع إسرائيلي ووقائع جديدة يصعب عكسها، واستنزاف لكوادر حماس، وتدهور إنساني يُضعف القدرة التفاوضية الفلسطينية عموماً. البديل الوحيد لخطة ملادينوف ليس فراغاً، بل هو استمرار هذا الاستنزاف أو عودة الحرب الشاملة.

التوصيات

على الصعيد التفاوضي الفوري: اشتراط ضمانات أمريكية موثوقة وملزمة بوقف الاغتيالات شرطاً مسبقاً لأي جلسة تفاوض جدية، وليس مجرد "تطمينات" شفهية، مع رفع هذا الشرط بشكل علني وموثّق حتى يُحسب ثمنه سياسياً.

على الصعيد الداخلي: الإسراع في بناء توافق وطني شامل يضم السلطة الفلسطينية وباقي الفصائل، لأن التفاوض بصوت واحد يضاعف ورقة الضغط، ويُغلق الباب أمام محاولات إسرائيل واللاعبين الدوليين تجاوز أي طرف أو اللعب على التناقضات.

على الصعيد الإقليمي والدولي: التنسيق مع مصر لجعل ملف غزة فعلياً جزءاً من أي حل إقليمي شامل يشمل الملف الإيراني وحزب الله، ما يرفع كلفة الإفشال على جميع الأطراف. وفي الوقت ذاته، العمل على حشد التوثيق القانوني الدولي للخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار لتحصين الموقف أمام محاكم الرأي العام وهيئات القانون الدولي.

على صعيد ملف السلاح: التعامل مع هذا الملف بمرونة تكتيكية لا بمبدأية جامدة، بمعنى تقديم صياغات تحفظ ماء الوجه وتقبل التسليم التدريجي المشروط والمرحلي لجهة فلسطينية وليس لإسرائيل، وبربطه صراحةً بجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي القابل للتحقق.

على صعيد التوثيق الإنساني: مأسسة توثيق الضحايا والانتهاكات اليومية وإيصاله إلى منصات دولية بشكل منتظم ومنهجي، لأن الرأي العام الدولي ورقة ضغط حقيقية لا سيما مع استمرار الخروقات الإسرائيلية الصارخة.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo