يعكس السخط الأوروبي المتصاعد تجاه سلوك بعض الوزراء في الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير، تآكلا واضحا في ما يسمى الحصانة الأخلاقية لإسرائيل في الوعي الغربي. هذا التحول يضع الحكومات الأوروبية في مأزق حرج ومواجهة مباشرة أمام رأيها العام الذي بات يطالب بمواقف أكثر حزما. ومع ذلك، يبقى هذا السخط مجرد ظاهرة صوتية ما لم يترجم إلى أفعال سياسية ملموسة وعقوبات إجرائية على أرض الواقع. ولفهم أبعاد هذا المشهد، لا بد من قراءته عبر ثلاثة أبعاد زمنية تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
لعقود طويلة في الماضي، حظيت إسرائيل بنوع من الحصانة الأخلاقية والسياسية في الرواق الأوروبي، حيث كانت الإدانات الأوروبية لأي انتهاكات تصدر في إطار دبلوماسي خجول، وغالبا ما ساد بند التفاهم المشترك وتأكيد الحق في الدفاع عن النفس. تشكلت هذه الحصانة نتيجة إرث تاريخي معقد في أوروبا، وشبكة مصالح استراتيجية واقتصادية متجذرة، مما جعل الحكومات الأوروبية تكتفي بالدبلوماسية الناعمة والبيانات التعبيرية، دون اتخاذ إجراءات عقابية فعلية، وهو ما عزز لدى المنظومة الإسرائيلية شعورا بأنها فوق المساءلة الدولية.
أما في الوقت الراهن، فإن هذا الجدار التقليدي يمر بشرخ غير مسبوق، إذ إن الصعود المستمر لتيارات اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، والتصريحات العلنية والممارسات الميدانية المستفزة لوزراء مثل بن غفير، أسقطت ورقة التوت عن السردية الديمقراطية المشتركة التي طالما روجت لها أوروبا. اليوم، تجد الحكومات الأوروبية نفسها في مأزق حرج، فالشارع الأوروبي والمنظمات الحقوقية يمارسون ضغوطا هائلة على صناع القرار، ولم يعد الغضب مقتصرا على النخب السياسية، بل تحول إلى رأي عام شعبي يرى تناقضا صارخا بين المبادئ الأوروبية المعلنة حول حقوق الإنسان وبين الصمت على ممارسات الاحتلال، مما جعل الإدانة اللفظية وحدها غير مقنعة للقواعد الانتخابية في العواصم الأوروبية.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن المسار السياسي لهذه العلاقة سيبقى محكوما بمدى قدرة أوروبا على الانتقال من مربع الإدانة الشفوية إلى مربع الفعل التنفيذي، وبدون هذا الانتقال سيتعامل الجانب الإسرائيلي مع الغضب الأوروبي كضوضاء عابرة لا تستدعي تغيير السياسات على الأرض. ويتمثل الاختبار المستقبلي لجدية الموقف الأوروبي في تفعيل أربعة مسارات أساسية، تبدأ بفرض عقوبات فردية مباشرة تشمل قيود السفر وتجميد أصول الشخصيات الحكومية والقيادات التي تغذي العنف. يتبع ذلك استخدام أوراق ضغط اقتصادية عبر مراجعة اتفاقيات الشراطة التجارية وحظر منتجات المستوطنات. كما يتطلب المستقبل تفعيل العزل الدبلوماسي من خلال خفض مستوى التمثيل ومقاطعة اللقاءات الرسمية مع أركان اليمين المتطرف، وصولا إلى الملاحقة القضائية عبر رفع الغطاء السياسي والتعاون الكامل مع المحاكم الدولية لضمان ملاحقة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
إن الحصانة الأخلاقية لإسرائيل لم تعد قدرا محتوما في السياسة الأوروبية، بل أصبحت رهينة التغيرات الراهنة، والمستقبل وحده سيكشف ما إذا كانت أوروبا ستتحلى بالإرادة السياسية لترجمة مبادئها إلى إجراءات ملموسة، أم أن بيانات الاستنكار ستبقى مجرد صدى صوت لامتصاص غضب الجماهير دون إحداث تغيير حقيقي.
