في تحليل مكثف لمؤتمر حركة فتح الثامن، رأى السياسي الفلسطيني نبيل عمرو أن المؤتمر الثامن سيواجه معضلة العدد الكبير غير المسبوق، حيث يتوقع أن يشارك فيه بين 2500 و4000 عضو. وتشكل هذه الضخامة، برأي عمرو، عائقاً أساسياً أمام تحقيق أهداف المؤتمر الحقيقية.
ويشير عمرو إلى أن مؤتمرات فتح السابقة اتبعت نمطاً واحداً: "استنساخ القديم واستيعاب الجديد فيه"، حيث كانت هناك إضافات "ترضيةً" مستمرة دون احترام للقوانين والقواعد المنظمة للعمل. الجديد هذه المرة، حسب تحليله، ليس الآلية بل حجم الضخامة العددية التي ستجعل أي نقاش حقيقي مستحيلاً عملياً.
الوقت الضائع
وحذّر عمرو من أن الوقت المتاح للمؤتمر سيكون كافياً فقط للاختيار والتصويت على الهياكل القيادية "استنساخاً" للقديم، مثل المجلس الثوري واللجنة المركزية، دون ترك أي هامش للبحث الجدي في الأوضاع الداخلية والسياسية للحركة.
وبحسبة بسيطة قدمها عمرو: إذا كان لكل عضو الحق في التحدث عدة دقائق، فإن استيعاب أصوات جميع المشاركين قد يتطلب سنة كاملة على الأقل. هذا التناقض يجسد، في نظره، كيف تتحول المؤتمرات إلى "مضائق" بدلاً من أن تكون محطات للفحص والتقييم والتجديد، ورأى عمرو أن الحركة قد تجد نفسها مثل سفينة "واقفة بحمولتها" في محطة الثامن، دون أن تتمكن من المضي قدماً.
رسالة شقيقة للحركة
وأكد عمرو على أن هناك جهوداً شقيقة جادة ودقيقة لمساعدة فتح على استعادة وحدتها بشكل كامل، بحيث لا يبقى أي فرد أو مجموعة خارج المؤتمر أي خارج "الجسم الشرعي" للحركة. يعتبر هذه المساعي مؤشراً على فهم الأصدقاء والأشقاء العرب لأهمية وحدة العضلة الأساسية في الجسم الفلسطيني.
وبين عمرو على بديهية الضرورة: "الوحدة الداخلية للحركة ضرورية في كل ظرف وزمان"، وأن الانقسامات التي بدأت بالظهور كان يجب معالجتها منذ بدايتها. لذلك، يرى أن المؤتمر الثامن يجب أن يكون "فرصة" حقيقية لترميم الانشقاقات، استرشاداً بالحكمة الشهيرة: "إذا صلح حال فتح يصلح حال الساحة الفلسطينية".
حركة مثخنة بالأزمات
في الواقع الحالي، تحاول فتح "ترميم ذاتها" في ظروف أصعب بكثير، وفي غياب كامل للروافع العربية والإقليمية والدولية التي كانت متوفرة لها سابقاً. الحركة مسؤولة عن شعب لا يكفّ عن مطالبتها بإخراجه من مآزقه ومعضلاته، لكنها تفتقد الأدوات والحلفاء التقليديين.
يطرح عمرو السؤال الجوهري: "هل تجد السبيل للخروج من الحالة الصعبة المكتظة بالمعضلات إلى ما هو أفضل منها؟" هذا السؤال، برأيه، يُطرح على الحركة، وعلى مؤتمرها الثامن، وعلى شعبها بأكمله.
الآمال المعلقة
المأمول من المؤتمر الثامن أن يكون "نقلة نوعية" تعيد للحركة وحدتها وقوة حضورها في الحياة الوطنية الفلسطينية. كان يُفترض أن تجري فيه نقاشات جادة لمعالجة السلبيات على صعيد الوضع الداخلي والمسار السياسي والوحدة الوطنية.
لكن ما يبدو جلياً من المقدمات والتحضيرات حتى الآن أن المؤتمر "قد أُغرق في العدد المبالغ في ضخامته"، وهذا لا يدع مجالاً لبحث القضايا الأساسية المفترضة. يخلص عمرو بتحذير واضح: "هذا ما لا نريده لحركة فتح والساحة الفلسطينية، والكفاح الوطني بكافة عناصره ومكوناته".
غياب الرموز
يرسم عمرو صورة درامية لدور ياسر عرفات التاريخي، الذي وصفه مؤسس الحركة بعبارة تجسد تعقيدها: "فتح ليست حزباً ولا حركة سياسية ولا نظام قيادة، بل هي كل ذلك". كان عرفات يمتلك مهارة فريدة في معرفة الحركة "فرداً فرداً" والتحكم بمكامن القوة فيها بطريقة تربطها به مباشرة.
كان لعرفات شركاء قياديون كبار تاريخيون، مثل صلاح خلف (أبو إياد)، الذي تجنب منافسة الزعيم الأول واشتُهر بكونه "مصدر حذر دائم واعتماد دائم وتوأمة دائمة". هذه "ثنائية عرفات - خلف" ضمنت استقرار العمل الفلسطيني واحتواء الانشقاقات والتمايزات. لكن استشهاد المؤسسين الكبار الثلاثة (خلف والوزير والحسن) في أوقات متقاربة، واستشهاد العسكري الأول سعد صايل (أبو الوليد)، ترك الحركة بدون "حصن منيع" من الرموز.
من أوسلو إلى الانهيار
بعد عودة عرفات ومحمود عباس لـ 10% فقط من الأراضي الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، دخلت الحالة الفلسطينية "مجازفة" سياسية محفوفة بالمخاطر. واجهت الحركة مسار حل متعثر سياسياً، وعنفاً أمنياً قاده "الثنائي الشرس" شارون ونتنياهو، الذي لم يجد عرفات أمامه شركاء إسرائيليين حقيقيين لصنع التسوية.
عندما اندلعت الانتفاضة الثانية، حُوصر عرفات في المقاطعة حتى وافته المنية في باريس، بعد تسميم كما يشير عمرو. غياب رجل بمكانة عرفات وموهبته في تجاوز "أعتى الأعاصير" ترك الحالة الفلسطينية في "نفق مظلم"، وكانت فتح هي الأكثر تضررياً من هذا الغياب بعد أن تعودت على أساليبه الفريدة في الاحتواء والقيادة لقرب نصف قرن.
