فجوة العقوبات والصراعات:

ماذا تكشف المقارنة بين وزن إسرائيل العسكري وحجم العقوبات الدولية؟

مجلس الأمن الدولي
مجلس الأمن الدولي

تكشف قراءة أولية لبيانات الصراعات المسلحة والعقوبات الدولية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن مفارقة لافتة في النظام الدولي المعاصر: ارتفاع غير مسبوق في مستوى الانخراط العسكري والسياسي المرتبط بإسرائيل في المنطقة، مقابل محدودية شديدة في حجم العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وبالاستناد إلى بيانات برنامج أوبسالا لبيانات الصراعات المسلحة (UCDP) وقاعدة بيانات العقوبات العالمية (GSDB)، تشير الحسابات الأولية إلى أن منظومة الصراعات المرتبطة بإسرائيل — بعد استبعاد النزاعات الأهلية الداخلية البحتة والتركيز فقط على الصراعات السياسية والعسكرية العابرة للحدود — شكّلت نحو 37.4% من إجمالي “أيام التعرض للصراعات” القابلة للمقارنة عالميًا خلال الفترة المدروسة.

وتشمل هذه المنظومة ساحات متعددة مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بإسرائيل، من بينها فلسطين ولبنان واليمن وسوريا والعراق وإيران، في ظل تصاعد متزامن للتوترات العسكرية والاشتباكات الإقليمية منذ أكتوبر 2023.

في المقابل، تُظهر بيانات العقوبات الدولية أن العقوبات المسجلة ضد إسرائيل في قاعدة GSDB لم تتجاوز أقل من 0.6% من إجمالي حالات العقوبات العالمية خلال الفترة ذاتها، وهو فارق عددي وسياسي حاد يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بآليات المحاسبة الدولية ومعايير تطبيقها.

انتقائية في النظام الدولي؟

لا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند بعدها الإحصائي فقط، بل تمتد إلى ما تعكسه من إشكاليات أعمق مرتبطة بطبيعة النظام الدولي وآليات فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية. فالعقوبات تُقدَّم غالبًا باعتبارها إحدى أهم أدوات “الردع السلمي” والضغط الدولي، غير أن توزيعها الفعلي لا يبدو دائمًا متناسبًا مع حجم الانخراط في النزاعات أو مستوى التداعيات الإنسانية والسياسية الناتجة عنها.

ويرى مراقبون أن الفجوة بين حجم الصراع وحجم العقوبات قد تعكس وجود معايير غير متكافئة في تطبيق أدوات الضغط الدولي، حيث تتأثر العقوبات أحيانًا بالتحالفات الجيوسياسية، وموازين القوى الدولية، والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، أكثر من تأثرها بحجم النزاع نفسه أو كلفته الإنسانية.

بين السياسة والقانون الدولي

وتأتي هذه المؤشرات في وقت يشهد فيه المشهد الدولي نقاشًا متصاعدًا حول فعالية القانون الدولي ومؤسسات العدالة الدولية، خصوصًا مع تزايد الدعوات لمساءلة جميع الأطراف المنخرطة في النزاعات المسلحة وفق معايير موحدة.

كما أن النقاش لا يقتصر على إسرائيل وحدها، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة النظام العالمي نفسه: هل تُطبق آليات العقوبات والمحاسبة بصورة متساوية على جميع الدول والفاعلين الدوليين؟ أم أن النظام الدولي لا يزال محكومًا باعتبارات القوة والنفوذ السياسي؟

قراءة تتجاوز الأرقام

ورغم أن هذه النتائج تبقى ضمن إطار الحسابات الأولية القابلة للتطوير والمراجعة المنهجية، فإنها تسلط الضوء على قضية تتجاوز مجرد المقارنات الرقمية، لتلامس جوهر النقاش العالمي حول العدالة الدولية، وازدواجية المعايير، وحدود فعالية النظام الدولي في إدارة الصراعات المعاصرة.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية واتساع نطاق المواجهات غير المباشرة في الشرق الأوسط، تبدو هذه الفجوة بين “حجم الانخراط في الصراع” و”حجم الاستجابة العقابية الدولية” واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للنقاش خلال المرحلة الحالية.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo