تتجه الأنظار محلياً وإقليمياً نحو التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وهو استحقاق يأتي في لحظة تاريخية فارقة توصف بأنها "تسونامي" يضرب يابسة القضية الفلسطينية. وبينما يرى البعض في المؤتمر طوق نجاة لاستنهاض الحركة، يخشى آخرون أن يتحول إلى مجرد "كرنفال" تنظيمي يعيد إنتاج الأزمات القديمة بوجوه جديدة.
الانعقاد فوق "صفيح ساخن"
ينعقد المؤتمر الثامن في ظل ظروف بالغة الخطورة، حيث يرى الكاتب عبد الغني سلامة أن فلسطين تمر بمرحلة انتقالية بين عالم قديم يتداعى وآخر يتشكل في ظل الحروب، بينما تقف السلطة الوطنية على شفير الهاوية. ويؤكد سلامة أن هذا المؤتمر ليس مجرد استحقاق إداري، بل نقطة مفصلية سيتحدد على ضوئها مستقبل القضية، كون "فتح" هي العمود الفقري للحركة الوطنية، وقوتها من قوة القضية.
من جانبه، يصف الكاتب أكرم عطا الله هذه اللحظة بأنها "الأكثر سواداً في تاريخ القضية"، محذراً من أن الحركة قد لا تدرك قوة الدفع الكامنة في الأمواج التي قد تجرف الطبقة السياسية القائمة بأكملها. فيما يذهب المحلل السياسي جمال خالد الفاضي إلى أن المؤتمر يمثل "مرآة مكثفة للتناقضات"، واختباراً وجودياً للحركة للإجابة على سؤال: كيف تستعيد دورها لا كيف تبرر تراجعه؟
حركة تحرر أم حزب سلطة؟
تشكل العلاقة الشائكة بين الحركة والسلطة محوراً أساسياً في النقاشات. يشير الكاتب إبراهيم ابراش إلى وجود خلط مقصود بين "فتح" كحركة تحرر وطني وبين "السلطة الفلسطينية" ككيان إداري مكبل بالتزامات دولية وأمنية واقتصادية، مما يحمّل الحركة وزر الإخفاقات الإدارية والفساد. ويضيف ابراش أن غياب المؤسساتية سمح بظهور "مراكز قوى" تتحدث بلسان رجال الدولة الملتزمين بالاتفاقيات، مما يصطدم مع قواعد التنظيم المؤمنة بشعارات التحرر.
وفي ذات السياق، يرى جمال خالد الفاضي أن الحركة تعيش حالة من "التعليق" والتردد بين دورها الكفاحي ودورها كإدارة سياسية، وهو ما أنتج شللاً تدريجياً جعلها تبدو وكأنها "تدير الأزمة بدل أن تواجهها".
ألغام وملفات شائكة
يستعرض الكاتب عبد الغني سلامة جملة من "الألغام" التي تنتظر المؤتمر، وأبرزها:
- انسداد الأفق السياسي: في ظل هيمنة اليمين الصهيوني الساعي لتصفية القضية.
- تعريف المشروع الوطني: وتحديد الموقف من شكل المقاومة (مسلحة أم شعبية) وإعادة بناء الثقة مع الشارع.
- العلاقة مع حماس: والإجابة على تساؤلات الفشل في إنهاء الانقسام، خاصة في ظل وجود تيار داخل فتح يؤيد خيارات حماس في 7 أكتوبر، مقابل تيار آخر يرى أن حماس جرت القضية نحو "نكبة جديدة".
- الملفات الداخلية: مثل قضية الأسرى والشهداء، وتغيير المناهج تحت الضغوط الدولية، وملفات الفساد والمحسوبية في التعيينات العليا.
- ملف الفساد والمحسوبيات الذي يشمل تعيينات السفراء واحتكار المناصب العليا وتوريث الوظائف. كما يؤكد سلامة، يجب "محاسبة من سرق المال العام"، ولا يجب أن "يتحول المؤتمر إلى كرنفال انتخابات ومناسبة لتوزيع المناصب والمكاسب."
الحاجة إلى "ورشة الأفكار"
ينتقد الكاتب أكرم عطا الله آلية التحضير للمؤتمر، معتبراً أنها تفتقر للنقاش الفكري والبرامجي الذي كان يميز عهد "أبو عمار". ويرى عطا الله أن المؤتمر يبدو وكأنه "إعادة توزيع للنخبة السياسية" وصراع على المواقع والمكتسبات، في واقع أصبح فيه العمل السياسي مصدراً للدخل العالي، محذراً من أن المعايير الحالية قد تقصي الكفاءات التاريخية لصالح الحشود الرقمية.
ويتفق معه إبراهيم ابراش، واصفاً بعض أعضاء اللجنة المركزية بأنهم يتعاملون مع مناصبهم كـ"وجاهة أو حصانة من المحاسبة"، مطالباً بضرورة تفرغ هؤلاء لوظائفهم وترك المواقع القيادية لدماء شابة تتفرغ كلياً للعمل الوطني والاشتباك السياسي.
"الصدمة" الأخيرة
رغم كل الانتقادات، يؤكد إبراهيم ابراش أن "فتح" ما زالت هي العنوان الأبرز والهوية الوطنية الجامعة، مقتبساً مقولة "القديم لم يمت والبديل لم يولد بعد"، حيث لم يستطع أي حزب منافستها في تمثيل الثقافة الوطنية.
ويختتم المحلل جمال خالد الفاضي رؤيته بالتأكيد على أن "فتح" لا تحتاج إلى مؤتمر ناجح شكلياً، بل إلى "صدمة داخلية" تعيد تعريفها. ويشدد على أن الحكم في زمن الإبادة لا يكون بما تقوله الحركات، بل بما تجرؤ على تغييره، فإما إعادة تأسيس حقيقي يعيد للحركة مكانتها، أو "تثبيت حالة العجز بشكل أكثر أناقة".
يجمع الكتاب على أن المؤتمر الثامن لا يمثل مجرد حدث تنظيمي عادي، بل لحظة حاسمة ستحدد مسار الحركة الوطنية الفلسطينية. المطلوب من فتح إما "إعادة تأسيس حقيقي يعيد لها دورها ومكانتها" أو الاستمرار في "تثبيت حالة العجز بشكل أكثر تنظيمًا" كما يقول جمال خالد الفاضي. وكما يختم أكرم عطا الله حديثه، فإن المسؤولية الآن تقتضي من فتح "المواجهة وحسم الخيارات وعدم التهرب"، لأن البديل سيكون مجرد "تأجيل لأزمة أكبر قادمة."
