تعتبر حركة فتح في الوجدان الفلسطيني أكثر من مجرد حزب سياسي، فهي الحالة التي مثلت الهوية الوطنية لعقود طويلة. لكن هذه المركزية الطاغية جعلت من كل محاولة للتغيير او المعارضة داخلها تصطدم بجدار صلب، وهو الاصرار على التمسك بالاسم والشرعية التاريخية.
ان المتتبع لتاريخ الانشقاقات، بدءا من تجربة صبري البنا (ابو نضال) في السبعينات، مرورا بانتفاضة أبو موسى وابو خالد العملة في الثمانينات، وصولا الى الصراعات المتأخرة التي كان محمد دحلان طرفا اساسيا فيها، يجد ان المعضلة لم تكن ابدا في وجاهة الاسباب او نبل الدوافع، بل في سوء التخطيط الذي جعل المنشقين يحصرون أنفسهم في معركة الاستيلاء على ارث الحركة بدلا من بناء افق سياسي جديد.
ان الهوس بانتزاع شرعية القيادة المتنفذة تحت مسمى فتح ذاته هو ما أجهض فرص التجديد الحقيقي. فالقيادة بطبيعتها لا بد ان تكون قوية وذات نفوذ لتستطيع توجيه الدفة، والاعتراض عليها يجب ان يترجم الى طرح برامج بديلة بكيانات مستقلة
لو ان كل تيار من هؤلاء اختار لنفسه اسما جديدا وهويّة بصرية وفكرية مختلفة، لتحولت الساحة الفلسطينية الى واحة من التعددية السياسية، لأصبحت منظمة التحرير أكثر صدقا في تمثيلها وأكثر تنوعا في طروحاتها، بدلا من الغرق في دوامة صراع الاخوة على "اللوغو" والختم الرسمي.
المقارنة مع النماذج السياسية الناجحة في العالم تظهر ان الاحزاب تتشظى وتندمج وتغير مسمياتها دون ان تعتبر ذلك خيانة للتاريخ، فالهدف هو الوسيلة السياسية لخدمة المجتمع وليس تقديس العنوان. ان التمسك بالاسم القديم يحول الصراع من تنافس على خدمة الشعب الى نزاع قانوني وتنظيمي يستنزف الطاقات في معارك وهمية حول من هو الفتحاوي الاصيل، وهو ما أضعف كافة الاطراف امام الجمهور وامام الخصوم السياسيين على حد سواء.
ان الخروج عن عباءة الاسم ليس اضعافا للحركة الام، بل هو خدمة لها وللقضية برمتها. فهو يتيح للحركة الاصلية مراجعة مسارها، ويمنح المنشقين فرصة لاثبات جدارتهم بعيدا عن ظلال الماضي. ان بناء تنظيم جديد باسم جديد يسهل عملية الحصول على الشرعية الشعبية والتمثيل المنصف، ويجنب الجميع الدخول في نفق الصراعات الداخلية التي لا تنتهي الا بتفتيت القوى الوطنية وتشتيت بوصلة الجماهير التي سئمت تكرار ذات المعارك بأسماء قديمة.
