ليس السؤال اليوم: هل نحن عاجزون؟ بل: ماذا نفعل ضمن ما هو ممكن، وما الذي نختار ألّا نفعله؟ فليس صحيحًا أن قسوة الواقع تُسقط عنا كل أشكال الفعل، ولا أن ضيق الهامش يبرّر التخلّي عنه بالكامل. بين العجز الكامل والسيطرة الكاملة مساحة واسعة من القرار، هي في جوهرها اختبار للإرادة السياسية قبل أن تكون اختبارًا للإمكانات.
في قطاع غزة، حيث يعيش نحو 2.2 مليون إنسان في ظروف استثنائية، تتكثف أزمة مركّبة: تدمير واسع للبنية التحتية، تعطّل مصادر الدخل، وانهيار متسارع في القدرة الشرائية والأمن الغذائي. وتشير التقديرات إلى أن الغالبية الساحقة من السكان باتت تعتمد، بدرجات متفاوتة، على المساعدات الإنسانية، فيما يواجه مئات الآلاف مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. في مثل هذا السياق، لا تعود السياسات الاعتيادية صالحة، بل يصبح تبنّي أدوات استثنائية في المالية العامة والحماية الاجتماعية ضرورة لا خيارًا.
ومع ذلك، تبقى هناك مساحة فعل—ولو محدودة—يمكن من خلالها التخفيف الجوهري عن المواطنين. هذه المساحة لا تتطلب سيطرة على المعابر أو سيادة كاملة، بقدر ما تتطلب وضوحًا في القرار وترتيبًا صارمًا للأولويات. وهنا تحديدًا تبرز مسؤولية السلطة: ليس في تغيير ميزان القوى، بل في حماية المجتمع من الانهيار الداخلي وصون بقايا ما تبقّى من الوطن، ومنع تحوّل الكارثة الخارجية إلى تفكك داخلي متسارع.
لقد أثبتت تجارب قريبة أن المجتمعات الفلسطينية قادرة على التكاتف عند الأزمات. خلال جائحة كورونا، ورغم محدودية الموارد، جرى تفعيل إجراءات استثنائية—توسيع برامج المساعدات، دعم الفئات الأكثر هشاشة، وتدخلات تنظيمية حدّت نسبيًا من عمق الصدمة الاقتصادية. اليوم، ونحن أمام أزمة أشد قسوة واتساعًا، أفلا يجدر أن نقف وقفة عز في وقفة العز الأعز—لكن هذه المرة ليس بالشعارات، بل بترجمة ذلك إلى سياسات ملموسة تُشعر الناس بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الانهيار؟
إن ما يمكن فعله ليس خارجًا عن المألوف في إدارة الكوارث، بل هو من صميمها: إعفاءات ضريبية موجَّهة على السلع الأساسية تخفف مباشرة من الأسعار في ظل تضخم قاسٍ، وتوسيع برامج التحويلات النقدية ودعم الرواتب بما يحفظ الحد الأدنى من الاستهلاك ويمنع الانزلاق الجماعي نحو الفقر المدقع، وحماية التعليم عبر إعفاء الرسوم ودعم الطلبة لتفادي فجوة جيلية في رأس المال البشري، إضافة إلى تجميد أو حتى إعفاء القروض المرتبطة بأصول لم تعد موجودة أصلًا نتيجة الكارثة، وهي إجراءات طُبّقت على نطاق واسع خلال أزمات عالمية كجائحة كورونا. كما أن ضبط الأسواق لم يعد خيارًا ثانويًا، إذ تتحول الندرة في غياب الرقابة إلى فرصة للاحتكار، ما يستدعي فرض سقوف سعرية مؤقتة، وتفعيل أدوات رقابية صارمة، وإبرام تفاهمات ملزمة مع كبار المورّدين، بل ووضع قوائم سوداء للمخالفين. ولا يقل عن ذلك أهمية تعليق الرسوم الحكومية والبلدية، بما يخفف العبء المباشر عن الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تقلّصت إلى حد كبير.
كل هذه الإجراءات ممكنة، ليس لأنها سهلة، بل لأنها لا تتطلب سيادة كاملة بقدر ما تتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا وتنسيقًا إداريًا فعالًا. وهي متسقة تمامًا مع ما تعتمده الدول في مواجهة الكوارث، حيث تُعاد صياغة أولويات المالية العامة لصالح الحماية الاجتماعية والاستقرار المجتمعي. وهي، قبل كل شيء، تستهدف ما يمكن إنقاذه داخليًا: تماسك المجتمع، الحد الأدنى من العيش، واستمرارية التعليم.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود السياسات المباشرة، بل يمتد إلى اختلالات في التوجهات الاقتصادية نفسها، ومنها عدم تساوق سلطة النقد مع استراتيجية “Zero Cash Strategy” في توقيت بالغ الحساسية، حيث يصبح تشديد القيود على السيولة النقدية في بيئة منهارة اقتصاديًا خيارًا يثير تساؤلات مشروعة، لا سيما عندما يكون الناس في أمسّ الحاجة إلى مرونة نقدية تتيح لهم البقاء والتكيّف مع الصدمة.
الواقعية لا تعني إعلان العجز، بل إدارة القيود بأقصى كفاءة ممكنة. حين يعيش 2.2 مليون إنسان تحت ضغط استثنائي، فإن الحد الأدنى من المسؤولية هو الانتقال من خطاب التعاطف إلى سياسات استثنائية ملموسة. إن لم نفعل ذلك، فنحن لا نصف الواقع فحسب، بل نُسهم—بشكل غير مباشر—في تكريسه.
