في لحظة فارقة من اللحظات السياسية الحاسمة، يقف غادي آيزنكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب "يشار"، على مفترق طرق حقيقي. بعد تشكيل تحالف "معاً" بين نفتالي بينيت ويائير لابيد في أواخر أبريل 2026، وجد آيزنكوت نفسه في موقع فريد: شخصية يقول الاستطلاع الذي نشرته صحيفة "معاريف" أن 44% من الناخبين يرونها أنسب من بنيامين نتنياهو لرئاسة الحكومة، لكنه يختار البقاء خارج التحالف - في الوقت الحالي على الأقل.
التفوق الشخصي والحسابات الدقيقة
وفقاً لاستطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة "معاريف" بتاريخ 29-30 نيسان/أبريل 2026 على 501 مشارك، تظهر الصورة مختلفة تماماً عما يتوقعه بينيت ولابيد. أظهر الاستطلاع أن 44 %من الناخبين يعتقدون أن آيزنكوت هو الأنسب لرئاسة الحكومة، مقابل 42% فقط ممن يؤيدون نتنياهو - بفارق واضح لصالح الجنرال السابق.
بل تجاوز تفوق آيزنكوت حتى بينيت نفسه، الذي حصل على 46% و تقدم على نتنياهو (41%)، لكن الفجوة بينه وبين آيزنكوت ضئيلة جداً (33% لآيزنكوت مقابل 32% لبينيت عند المقارنة المباشرة بينهما).
منطق البقاء خارج التحالف
أما آيزنكوت نفسه فقد وضع استراتيجية مختلفة تماماً. كما كتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بقلم الكاتب ناحوم برنياع، يقع مقر آيزنكوت في "مبنى مكتبي جديد شرق رمات هشارون... مدة العقد ثلاثة أشهر، مع إمكانية التمديد" - وصف رمزي للوضع المؤقت الذي يختاره لنفسه.
لماذا يرفض الانضمام الآن؟ الإجابة تكمن في حسابات سياسية باردة. وفقاً لتقرير صحيفة "معاريف" الذي حلل نتائج استطلاعات لمعهد لازار برئاسة د. مناحم لازار، عند انضمام آيزنكوت إلى التحالف، سترتفع القائمة إلى 41 مقعداً، لكن الوحدة تفقد جزءاً من التأييد - حوالي 4 مقاعد من القوة المجمعة للحزبين 24 لبينيت و7 لـ"يوجد مستقبل.
الموقف المعقد: التحالف والانقسام
أظهرت استطلاعات الرأي انقساماً واضحاً حول موقف آيزنكوت من التحالف. وفقاً لاستطلاع "معاريف"، رأى 34% من الناخبين أن آيزنكوت يجب أن ينضم إلى تحالف بينيت ولابيد، فيما اعتقد 30%أنه يجب أن يخوض الانتخابات بشكل مستقل، بينما امتنع 36% عن إبداء رأيهم.
لكن الأهم هو ما كتبته صحيفة "معاريف" بقلم آنا برسكي حول رد الفعل من حزب بينيت نفسه: "في جماعات النشطاء لدى بينيت تتضح صورة خيبة أمل، بل غضب على الخطوة" - وهذا يعكس أن الوحدة ليست مصدر الحماس الذي توقعه قادتها.
الترتيبات السياسية
حسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، اتصل لابيد بآيزنكوت في "تمام الساعة الخامسة إلا خمس دقائق... قبل خمس دقائق من الإعلان الرسمي" عن التحالف. وفور الإعلان، قدم لابيد "استعداده للتخلي عن منصبه كثاني شخص في قائمة 'معاً' لإفساح المجال لآيزنكوت".
لكن هذه الإيماءة لم تُقنع آيزنكوت. وصفها التحليل الصحفي بأنها "محاولة أخرى لعزله وتهميشه وإجباره"، مشبهة إياها بـ"ما فعله شارون بنتنياهو في خطابه 'بيبي أيضاً، بيبي أيضاً'".
شخصية آيزنكوت: العناد والرؤية
تكشف التقارير الصحفية عن شخصية معقدة لآيزنكوت. كما كتب برنياع في "يديعوت أحرونوت": "الجميع يعرف آيزنكوت الانطوائي، التحليلي، الرجل الذي يدعو مظهره إلى التربيت، بل وحتى الاحتضان. ليس من المؤكد أن شركاءه المستقبليين يعرفون مدى تمسكه برأيه، وحسمه، وعناده".
كدليل على هذا العناد، ذكّر برنياع قصة حين عرض آيزنكوت على "بعض الشخصيات البارزة في كتلة التغيير" مقترحاته السياسية، فقال لهم "سأقرأ عليكم الخطوط العريضة لمقترحاتي"، ثم قرأها. قالوا: "ممتاز، كل شيء متناسق، سنتوصل إلى اتفاق في غضون عشر دقائق". فأجابهم: "لم أكتب هذه الوثيقة. هذا خطاب بن غوريون في الكنيست، في آذار 1949".
التغيير الشخصي والثقة المتزايدة
أثار برنياع في تقريره ملاحظة مهمة عن التغير الذي طرأ على آيزنكوت مؤخراً: "يبدو وكأنه يعيش في قمة السعادة. حتى مظهره تغير قليلاً - فقد 11 كيلوغراماً في العام الماضي".
ويرى برنياع أن هذا التغيير يعكس "ثقة متزايدة بأنه قادر على الفوز بالانتخابات، وأنه سيؤدي دوره كرئيس للوزراء على أكمل وجه. هو وحده."
الشروط الثلاثة للائتلاف
عندما سأله يفتاح سبيكتور: "لماذا ترفض تشكيل حكومة مع حزب عربي؟ العرب يشكلون 20% من سكان إسرائيل"، أجاب آيزنكوت بوضوح وفقاً لـ"يديعوت أحرونوت":
"انتبه لما قلته. قلتُ حكومة صهيونية ورسمية. حكومة رسمية تشمل العرب والمتدينين المتشددين. على كل من ينضم إليها أن يستوفي ثلاثة شروط: إسرائيل يهودية وديمقراطية، وقيم إعلان الاستقلال، والالتزام بالخدمة، عسكرياً أو مدنياً".
وأضاف: "ربما أكون مخطئاً، لكنني أفترض أن منصور عباس قادر على استيفاء هذه الشروط". وهنا يختلف آيزنكوت عن بينيت ولابيد اللذين يستبعدان التعاون مع أحزاب عربية.
الموقف من الحروب
يختلف آيزنكوت بشكل جوهري عن حكومة نتنياهو الحالية في تقييمه للحروب الحالية. وفقاً لتقرير برنياع: "يُؤيد حل الدولتين، واتفاقيات أوسلو. ولعل الأهم في الوقت الراهن، أنه واضح جدّاً في انتقاده للحرب في إيران ولبنان. لا يخشى وصف الحرب على الجبهتين بالفاشلة".
ويوضح أنه يجد "مغالطة منطقية في الحملة ضد إيران"، حيث أن "الأهداف التي حددتها الحكومة - تفكيك المشروع النووي والصواريخ والوكلاء - تتطلب وجود النظام واستمراره في العمل. أما الهدف الرابع، وهو إسقاط النظام، فيناقض الأهداف الثلاثة الأولى".
خطة آيزنكوت وسيناريوهاته
وفقاً لتقرير برنياع الذي نشرته "يديعوت أحرونوت"، يتمتع آيزنكوت بـ"خيار الترشح منفردًا، حتى النهاية" - وهذا يعطيه مرونة سياسية لا تتمتع بها الأطراف الأخرى.
يرى فريق آيزنكوت، وفقاً للتقرير، أن التحالف بين بينيت ولابيد يحتل "المرتبة التاسعة أو العاشرة - بحسب فئة الناخبين - في جذب الأصوات المترددة". كما أن هناك "تحفظات بشأن بينيت، أو لابيد، أو الشراكة بينهما"، وعندما "يزول الحماس، وعندما تهدأ الأمور... سيختفي السحر".
سيناريوهات النتائج
حسب استطلاعات معهد لزار التي نشرتها "معاريف":
- السيناريو الأول: إذا ظل آيزنكوت مستقلاً، يحصل على 15 مقعداً (ارتفاع من 14)، بينما يحصل تحالف بينيت ولابيد على 27 مقعداً.
- السيناريو الثاني: إذا انضم آيزنكوت للتحالف، ترتفع القائمة إلى 41 مقعداً لكن تصبح الصورة معقدة في خريطة الكتل الشاملة، حيث تبقى المعارضة عند 59 مقعداً والائتلاف 51 مقعداً.
متاهة الحسابات الانتخابية
وصفت "معاريف" الوضع بأن الوحدة "تفقد جزءاً من التأييد" بدلاً من كسب ناخبين جدد. "الارتباط بين بينيت ولابيد لا يجلب ناخبين من نتنياهو وكتلته، بل يعيد إليه بعضاً منهم."
كما أشارت الصحيفة إلى أن "مصوتو اليمين الرقيق، الذين ربما فكروا في بينيت كخيار أنظف، يرون إلى جانبه لابيد فيتوقفون."
دور آيزنكوت كعنصر توازن
الأهم من كل هذا هو أن آيزنكوت، وفقاً لتحليل برنياع، يمكنه "في هذه الأثناء أن يسمح لنفسه بالانتظار. فهو يتعزز، ولكن تنقصه الأمور التي يجلبها لابيد معه: مال، حزب، وبنية تحتية. وعليه فهو يبقي كل الخيارات مفتوحة".
أما إذا بقي خارج التحالف، فـ"قد يواصل اجتذاب مقاعد من الوسط ليصبح لسان الميزان في داخل المعارضة نفسها".
تقييم الشعبية والموارد
تشير التقارير إلى تقبل جماهيري عام لآيزنكوت. كتب برنياع: "الناس يحبونه. عندما زار الأسبوع الماضي مستوطنات السامرة، وأريئيل، وبركان، وفدوئيل، وغيرها، استقبله السكان باحترام".
كما أعلن آيزنكوت هذا الأسبوع انضمام شاؤول ميريدور إلى حزبه - الرئيس السابق لقسم الميزانية، ممثلاً للجيل الثالث في السياسة الإسرائيلية.
الهدف المعلن
يلخص برنياع هدف آيزنكوت في جملة واحدة: "تحقيق أغلبية تسمح بتشكيل ائتلاف مستقر بدون نتنياهو". وهو "مقتنع بأن نتنياهو سيخسر الانتخابات".
الخلاصة
في لحظة حاسمة من اللحظات السياسية الإسرائيلية، يقف غادي آيزنكوت في موقع فريد: شخصية تفوقت استطلاعات الرأي على نتنياهو وتنافست مع بينيت نفسه، لكنها تختار الانتظار والحفاظ على مرونتها.
استراتيجيته واضحة: عدم الانضمام حالياً للتحالف سيعطيه مزيداً من الخيارات - إما جلب أصوات جديدة للمعارضة كحزب مستقل، أو استخدام قوته كعنصر توازن في المرحلة النهائية من الانتخابات.
الصورة الحقيقية: آيزنكوت لا يراهن على انتصار بينيت، بل على انتصار نفسه - لكن بحساب دقيق وصبر استراتيجي يعكس خبرته العسكرية والسياسية. والانتخابات المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه الرهانات محقة أم لا.
المصادر:
- استطلاع صحيفة "معاريف" - 29-30 أبريل 2026
- تقرير معهد لازار بقيادة د. مناحم لازار
- مقالات صحيفة "معاريف" لكاتبة آنا برسكي
- مقالات صحيفة "يديعوت أحرونوت" للكاتب ناحوم برنياع
